لصالح من يشتغل بعض رجال الشرطة.. للشعب أم لأنفسهم؟

كثيرا ما يتحدث رجال الأمن الوطني، سواء العاملين في الشرطة القضائية، أو الأمن العمومي، عن قلة العنصر البشري في مرافق الأمن الوطني، وتقصير المديرية العامة للأمن في رفع عدد موظفيها ليكونوا وفق التطلعات المطلوبة، ويؤدون واجبهم على أفضل وجه. عندما تتحدث إلى شرطي صديق عن ارتفاع نسب الجريمة ومظاهر الانحراف، فإنه يرد عليك بأن عدد العناصر قليل جدا، وأن الكثافة السكانية تجعل من الصعب ممارسة مهامهم على أفضل وجه، لكن الواقع على العكس من ذلك تماما. شخصيا أعرف عددا من رجال الأمن، يتسللون من أماكن عملهم قبل انتهاء ساعات الدوام، ويخصصون الباقي من الوقت لممارسة التجارة.

صحيح أن هذا النشاط المدر للربح أهون ضررا من “أنشطة أخرى”، لكن من الناحية الأخلاقية، والقانونية أيضا، لا يمكن تقبل مثل هذا التصرف في رجل أمن مفروض فيه تكريس كل وقته وجهده لخدمة الشعب، والمساهمة في توفير الأمن بالبلاد، وليس التفرغ لخدمة مصالحه الشخصية، على حساب وظيفته التي يتقاضى عنها أجرا من حساب دافعي الضرائب. رجال الأمن كثيرون، نعرفهم ويعرفهم جميع الناس، انصرفوا إلى احتراف البيع والشراء في السيارات المستعملة، لكسب أموال فاحشة، في الوقت الذي لا يعرف أحدهم ما الذي ما زال يجمعهم بالمديرية العامة للأمن الوطني، وهذا سؤال ملح، ويتوجب على المسؤولين الإجابة عنه، وإن كانوا في حاجة إلى أمثلة، فلدينا ما يكفي منها.

وبخصوص الإمكانيات اللوجستية، يقول رجال الأمن إن إدارتهم المركزية لا توفر ما يكفي من سيارات النجدة وغير النجدة، وأنها “بخيلة” في اقتناء العدد المطلوب منها، لمساعدتهم على أداء واجبهم على أفضل وجه. لكن الملاحظ أن مثل هذا الكلام مردود على أصحابه، لأن هناك الكثير من الإشارات السلبية التي تؤشر بشكل دقيق على أن المشكل ليس في قلة العتاد واللوجستيك، وإنما في سوء التدبير، أو لنقل ضعف المراقبة. ببساطة، لا أحد ينكر أن المئات من سيارات النجدة التابعة للأمن الوطني تخصص لأغراض شتى، إلا خدمة الشعب، والحرص على توفير الأمن واستتبابه.

ومن منا لم يشاهد، مرة كل يوم على الأقل، سيارة نجدة مركونة في المكان غير المناسب، فيما ترجل منها شرطيان بزي مدني، وشرعا يتربصان بالسائقين المخالفين لابتزازهم في ثمن المخالفة؟ ومن منا من لم يشاهد سيارة نجدة تعبر الطريق غير مبالية بشجار دام نشب بين منحرفين، أو غير منحرفين، أو حادثة سير، دون أن يأبه سائقها بما يحصل، ويضغط على المكابح بسرعة من أجل النزول واستقصاء حقيقة ما يجري ومباشرة الإجراءات القانونية اللازمة انطلاقا من واجب الضمير المهني. وعندما تستفسر عن سبب لامبالاتهم، يردون بأنهم لم يتوصلوا بأي تعليمات أو إرشادات من القيادة.

المشكلة إذن ليست في العنصر البشري، ولا حتى في وسائل اللوجستيك، وإنما تكمن في سوء التدبير وغياب المراقبة، هذا من جهة، أما من جهة ثانية، فإن المشكلة تتمثل في استمرار بعض العقليات في ممارسات بائدة عفا عنها الزمن، ولا تدري أن الظرفية هي ظرفية محاسبة بامتياز، وأن “اللي فرط يكرط”.

محمد حنكرار: صحافي


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني