د. محمد ناجي
يقولون : السياسة ليس فيها أخلاق . ونحن نقول لهم : بلى، فالأخلاق عندنا في هذا الوطن العتيد هي شعارنا في كل شيء؛ هي الخصلة الملازمة لنا في كل ما نسعى إليه، وفي كل ما نريد الوصول إليه، وفي كل عمل نُـقْـدِم عليه . وقد تكون السياسة أهم مجال نحافظ فيه على الأخلاق..
إنني وأنا أستمع إلى خطاب الملك اليوم أمام البرلمان استشعرت وكأن الملك يستحضر في ذهنه قول الشاعر أحمد شوقي :
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت \\\ فإن هـمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا .
نعم؛ إنما بقاء الأمم بأخلاقها. فمتى ما تخلت عن أخلاقها، فانتظر النهاية ..
والملك نصره الله، منذ اعتلائه العرش، وهو يحث كل الفاعلين في المرفق العام على كرم الأخلاق وحسن السلوك.. فمنذ سنة 1999، أي منذ خمس عشرة سنة وهو يدعو الناس إلى التزام مبادئ الأخلاق الحميدة في كل ما يرومونه، وفي كل ما يقومون به، وفي كل ما أسند إليهم من مسؤوليات ومهام : ففي يوم 29 أكتوبر 1999 ـ وهو تاريخ وراءه ما وراءه ـ كان قد وجه جلالته رسالة سامية إلى المشاركين في الندوة الوطنية حول “دعم الأخلاقيات بالمرفق العام”، قال فيها :
« ومن هذا المنظور فان أول واجبات المرفق العام أن يلتزم بالأخلاق الحميدة، وأن يخدم المواطنين بالإخلاص الجدير بالشأن العام والمصلحة العليا على النحو الذي يقتضيه الاخـتـيـار الديمقراطي في دولة الحق والقانون» مؤكدا على أن ذلك «لا يتأتى ذلك إلا بسمو الأخلاق واستقامتها وتقويم ما قد يطرأ من انحراف عليها». فالأخلاق ـ كما أكد جلالته في تلك الرسالة السامية ـ « أساس من أسس الدولة تقوم بقـيامها وتـنـهار بانـهـيارها.»
فهل من إيمان أكثر من هذا على أن بقاء الأمم إنما هو مرتبط ببقاء أخلاقها؛ (فإن هـمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا)؛ لذلك فقد آلى جلالته على نفسه ألا يترك المغرب يذهب ضحية من لا خلاق لهم.. سواء كانوا في الحكم، أو في الإدارة أو في القضاء أو في التعليم أو داخل الأحزاب، أو في أي مرفق عام كيفما ما كان نوعه .. لأن الانتماء للمغرب شرف يعتز به كل مواطن مغربي ، وهو « شعور لا يباع ولا يشترى، ولا يسقط من السماء. بل هو إحساس نبيل، نابع من القلب، عماده حسن التربية على حب الوطن وعلى مكارم الأخلاق. إنه إحساس يكبر مع المواطن، ويعمق إيمانه وارتباطه بوطنه.» كما قال جلالته في خطابه اليوم، موجها خطابه للسياسيين بأنهم « مسؤولون بالدرجة الأولى ، على الحفاظ على هذا الاعتزاز (بالانتماء للوطن) بل وتقويته ، من خلال تعزيز ثقة المواطن في المؤسسات الإدارية والمنـتـخبة ، ومن خلال الرفع من مصداقيتها ونجاعتها ، ليشعر المواطن انها فعلا في خدمته»
لقد حدد جلالته في تلك الرسالة معالم الأخلاق الحميدة التي يجب أن تتوفر في كل مسؤول، مهما كان مركزه، وحيثما كان موقعه، والتي ما زلنا ننشدها حتى اليوم؛ حيث قال :
« إن هدف الإجراءات العمومية التسهيل والتيسير ، وليس التعقيد والتعسير ، وهي منهاج لترسيخ روح الاستقامة، والوضوح، والشفافية، والتعجيل في إيصال النفع للناس، وتحقيق العقلنة التي تضمن الإيجابية فيما يتخذ من قرارات، وتمكن من تـتـبع الأمور إلى نهايتها، وتـنـظيم العمل وحسن توزيعه، وتحديد المسؤوليات، والتحفـيـز على التواصل في رزانة ونظام تُـثـريه التجارب القديمة والممارسات الجديدة الناجحة.. »
واليوم، وبعد خمس عشرة سنة ها هو ذا يعود مرة أخرى ـ ليردد أمام كل ممثلي الشعب المغربي، نفس العزم والعزيمة على التشبث بالاختيار الديمقراطي الذي ارتضاه كل المغاربة ؛ باعتباره خيارا ثابتا لا رجعة فيه ، وأن المغاربة جميعا «ملتزمون بمواصلة ترسيخه»، طارحا على الجميع السؤال الذي يتردد على كل لسان؛ إذ الملك هو لسان حال كل المغاربة، سؤال يتضمن إجابته من صيغته البلاغية التي ترك للسياسيين والمسؤولين إعطاءها تحديدها: « غير أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، وبكل إلحاح : هل تمت مواكبة هذا التقدم، من طرف جميع الفاعلين السياسيين، على مستوى الخطاب والممارسة ؟؟»
لست أدري كم من علامة استفهام كتبها جلالته أمام هذا السؤال في الورقة التي كان يقرأ منها خطابه السامي.. ولكنني اكتفيت بوضع علامتين اثنتين أمام هذا السؤال الملح الذي يرن في آذان كل مواطن سمع هذا الخطاب: اكتفيت بعلامتين اجتهادا مني بأن الفاعل السياسي في كل دولة ديمقراطية في العالم إنما يتكون من يمين ويسار.. أي فئة مدبرة مسيرة لشؤون الدولة، بعد فوزها بأعلبية الأصوات التي أفرزتها صناديق زجاجية شفافة، وفئة معارضة .. وكلتا الفئتين في بلادنا مستوعبة لهذا السؤال مع الأسف..
إن منشأ هذا السؤال قد ركزه جلالته في عبارة جامعة مانعة :« أن الخطاب السياسي، لا يرقى دائما إلى مستوى ما يتطلع إليه المواطن ، لأنه شديد الارتباط بالحسابات الحزبية والسياسية«.
مرة أخرى، وبعد خمسَ عشرةَ سنة على تلك الرسالة السامية حول مبادئ الأخلاق الحميدة في المرفق العام، يتفقد جلالته أحوال هذا المرفق، وأحوال الساسة والسياسيين في البلاد؛ فرأى ضرورة إعادة دق الناقوس من جديد، بعد أن حدد جلالته هذه السنة كأمد أقصى لكثير من الإجراءات والتدابير المنتظر إنجازها وتنزيلها، لأنها « سنة استكمال البناء السياسي والمؤسسي، الذي يوطد المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، التي حققها المغرب، في مختلف المجالات» وعلى رأسها «إعطاء الأسبقية لإخراج النصوص المتعلقة بإصلاح القضاء، وخاصة منها إقامة المجلس الأعلى للسلطة القضائية وإقرار النظام الأساسي للقضاة «. ليؤكد جلالته مرة أخرى، مدى انشغاله بإصلاح هذا المرفق بأقصى سرعة ممكن؛» فالعدل أساس ضمان أمن وسلامة المواطنين ، وحماية ممتلكاتهم ، وعماد الأمن القضائي، المحفز للتنمية والاستثمار.«
وهي رؤيا جديدة لمفهوم العدل في عهده: فالعدل لم يعد في عهد الملك محمد السادس مرتبطا بالـمُـلْــك فحسب (العدل أساس الملك)؛ بل أصبح عنده « هو أساس ضمان أمن وسلامة المواطنين ، وهو عماد الأمن القضائي .. » ولذلك فارتباطه بأمن المواطنين أضحى أكثر إلحاحا من أي ارتباط آخر..
وإكمالا لبناء المؤسسات القضائية المرتبطة بإصلاح القضاء وتمكينه من كل الوسائل الضرورية للولوج إلى قاطرة مسيرة المغرب نحو الديمقراطية والحكامة العادلة والتنمية البشرية ، فقد بشر بقرب تنصيب المحكمة الدستورية التي تعتبر أعلى هيئة قضائية في الدولة، تشرف على ملاءمة نصوص التشريعات والقوانين لمبادئ الدستور، وتنظر فيما قد يقع من خلاف بين فقهاء القانون ورجال السياسة والمتقاضين في تفسير بعض النصوص أو تأويلها .. إلى غير ذلك مما يعتبر العين البصيرة والفاصلة في مختلف القضايا والنوازل الفقهية والدستورية والسياسية التي تطرأ على الساحة الوطنية..
أما بالنسبة للانتخابات المقبلة فقد عبر جلالته عن هذا الهاجس الذي يؤرقه هو الآخر، عبر عنه بنفس صيغته المعهودة بسؤال موجه إلى كل الفاعلين السياسيين : « ماذا أعددتم من نـخـب وبرامج، للنهوض بتدبير الشأن العام ؟؟ »
كنا في الماضي نسأل عما أعد هذا الحزب أو ذاك من برامج انتخابية يدخل بها غمار الانتخابات.. ولكن محمد السادس، يدرك أن البرامج ـ إلى حدود الساعة ـ غالبا ما تكون مجرد أوراق توزع على المواطنين، تكاد تكون كلها نسخة واحدة؛ الفرق بينها في التقديم والتأخير في العبارة .. أما المحتوى فهو هو، ونتائج الإخلاص لتلك البرامج وتطبيقها هي هي .. ولذلك، فإنه لم يكتف بالسؤال عما أعدته تلك الأحزاب من برامج، وإنما سأل بالدرجة الأولى وفي المرتبة الأولى عما أعدت من “نـخب”.. لأن هذه النخب ؛ إن كانت نخبا حقيقية، بالمقاييس المتعارف عليها اجتماعيا وثقافيا وحضاريا، هي الكفيلة بإضفاء “الأخلاق السياسية” على العمل السياسي في بلادنا ..إذ المفروض فيها أن تكون متحلية بكل ما تحمله كلمة الأخلاق من مفاهيم حميدة سامية متعالية ومترفعة عن الدنايا والمغريات الزائلة؛ تمحي معها تلك القولة الضالة المضلة : “الغاية تبرر الوسيلة”؛ فهذا الشعار المفلس لم يعد له مكان في مغرب العهد الجديد، وهذه الفلسفة الميكيافلية لم تعد صالحة في مجتمع مغرب العهد الجديد.. مغربُ اليوم هو مغرب الاحترام المتبادل لوجهات النظر، مغربُ العفة والترفع، مغرب النقد الهادف لا النقد ـ أو قل التشويه ـ الجارح الحاط بكرامة الإنسان: مغربٌ تُـقـدِّم فيه الأحزاب أمامها للمواطنين في حملتها الانتخابية نساء ورجالا من طينة الزعماء الكبار الصادقين في أقوالهم، والقادة العتاة البارين بوعودهم، والساسة الفطاحل المنجزين لبرامجهم، والفقهاء الخريتين المشرعين لقضاء نزيه وديمقراطية صلبة متينة، والشباب المثقف المتحفز المعتز بوطنيته، المستعد لتحمل المسؤولية والمحاسبة الصارمة ، وليس المغرب السياسي الذي يدفع أمامه حيوانا بريئا صبورا ليحشره في دعاية فاشلة مخجلة بغاية تشويه صورة خصم فائز ، أفرزته صناديق الاقتراع بمباركة الجميع.. فهذه هي الأخلاق التي نريد أن نترفع عنها، وتلك هي الأخلاق التي نريد أن نرسخها في مغرب اليوم . «إن الخطاب السياسي يقتضي الصدق مع المواطن، والموضوعية في التحليل، والاحـترام بين جميع الفاعلين، بما يجعل منهم شركاء في خدمة الوطن، وليس فرقاء سياسيين، تفرق بينهم المصالح الضيقة«.
لقد رسم جلالته الطريق إلى سياسة الأخلاق، أو أخلاق السياسة مبرزا أن «ممارسة الشأن السياسي، ينبغي أن تقوم بالخصوص، على القرب من المواطن، والتواصل الدائم معه، والالتزام بالقوانين والأخلاقيات، عكس ما يقوم به بعض المنتخبين من تصرفات وسلوكات ، تسيء لأنفسهم ولأحزابهم ولوطنهم، وللعمل السياسي، بمعناه النبيل. «
يجب أن نؤمن ـ كما قال جلالة الملك ـ بأننا لسنا في حلبة صراع، كل حزب يريد أن يسقط خصمه بالضربة القاضية، حتى ولو كانت من تحت الحزام وخارج المشروعية ؛ نريد منافسة شريفة؛ لا مصارعة حاقدة ؛ نريد أن نقضي على سياسة “لاعبين ولا كاشين”، نريد أن يعتبر كل حزب نفسه لاعبا، سواء كان في الحكومة أو في البرلمان أو في المعارضة أو في تأطير المواطنين التأطير الرشيد الفعال.. نريد أن يؤمن كل حزب بأن فوزه إنما يتمثل في فوز المغرب بانتخابات شريفة نزيهة شفافة ديمقراطية .. وأن يؤمن أيضا بأنه بمشاركته قد ساهم بفعالية في تحقيق الانتصار الأكبر والفوز الأعظم: ألا وهو الفوز بالديمقراطية الحقة والأخلاق الحميدة.. أن يشعر كل حزب أنه ساهم ـ حتى ولو لم يحصل على أغلبية كان يطمح إليها ـ ، في إعطاء المغرب خصوصيته التي يحسده الحاسدون عليها ، وهي خصوصية من نوع جديد هذه المرة، خصوصية «الأخلاق السياسية »..
[email protected]
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني



