أيوب الخياطي
[email protected]
بين أزقة طنجة القديمة وسكون ليلها الصيفي الهادئ خرج مهرولا من بيت والديه حافي القدمين ذو ثياب متسخة حاملا في يده تلفازا كبيرا،يلتفت به يمينا وشمالا خوفا من عين تراه أو من أذن تسمع وطأت قدميه العابرتين،توجه إلى “سوق الداخل” ووقف بجانب سينما مقابلة لمدخل المدينة القديمة “باب فحص”،جلس بباب أرضية المقهى المجاورة للسينما وأنزل يديه على ركبتيه وطأطأ رأسه ودموع الحسرة تنزل من جفنيه،إنه يتذكر أيام صباه، أيام العز الغابر قبل أن تنقلب عليه لتصبح أيام مذلة وشقاء،تراوده في مخيلته أفكار غريبة تدعوه إلى التخلص من عذابه الذي يعيشه بوضع حد لمعاناته بالانتحار ، كل شيء في هذه الحياة يوجعه، نظرات الناس القاسية له، شفقة أصدقائه عليه، صرخات وقهقهات العابرين وهم ينادونه بتلك الألفاظ التي تنقص من كرامته كإنسان وتنخر كبريائه التي لم يعد لها وجود،مد إحدى يديه لجيبه ليشعل سيجارته لعلها تحد من تلك النار المشتعلة في داخله وتوقده من غفوته وتخرجه من دوامة الأحداث التي غرق بداخلها، لكن وكأنما يطفئ النار بالنار .
حمل ذلك التلفاز الذي يريد بيعه بأي ثمن ليحصل على المخدر الذي أصبح عبدا له، وأجيج اللهب مشتعل في أعماقه،تكاد صرخاته الداخلية تتحرر من ذلك القفص الحديدي الذي بمجرد كسره تخرج تلك الآلة المدمرة التي تحرق الأخضر واليابس،توجه صوب إحدى الحانات المتواجدة على شاطئ المدينة لعله يجد ضالته التي يبحث عنها فليس لديه شيء غير ذلك التلفاز البالي الذي أكل الدهر عليه وشرب،فلا بديل له،فببيعه سيحصل على القليل من ذلك السم القاتل الذي أصبح مدمنا عليه،لا يكترث للناس لأن همه الوحيد الوصول إلى غايته وإشباع جسمه النحيف بذلك المخدر،يحاول النظر في وجوه عابري السبيل لعله بنظراته تلك يكسب عطف أحدهم ويساعده في محنته هذه،لكن لا حياة لمن تنادي،فكل مشغول بحبيبته أو بكأس خمر فعل فيه العجب فجعله يتمايل يمينا وشمالا في قارعة الطريق،أما هو المسكين فبقي وحيدا يقاوم أعراض الإدمان من تصبب لعرق ورعشة جسم و برودة جعلته يتمنى الموت مئات المرات ليتخلص من هذا العذاب القاسي،فالعيش في هذه الدنيا أصبح بالنسبة له أمرا لا يحتمل.
جلس أمام باب الحانة ينتظر ظهور ذلك الرجل الطويل القامة الذي يرتدي تلك القبعة الكبيرة وذلك الحذاء الرياضي الضخم،إنه يظهر فجأة كبزوغ القمر مكتملا في عتمة الليل الحالكة،يبيع تلك السموم لمدمنيها ثم يختفي،لكن اليوم على غير عادته لأنه لم يأتي إلى باب الحانة ،ربما تم إلقاء القبض عليه أو ربما قتل من طرف عصابة أو شخص كان يكن له العداء،لكن من سينقد مجنون المخدرات من معاناته ويعطيه تلك الجرعة التي ترده إلى صوابه غير ذلك البائع المختفي الذي لا يظهر إلا في ظلمة ليل طنجة،ابتسم إلى قدره المحتوم وبدأ ينتظر الموت البطيء وعوارض الإدمان ظاهرة عليه يتأمل في العابرين وضحكاتهم التي بدأ يتوهم أنها قهقهات أشرار يريدون التخلص منه،انكمش أمام إحدى السيارات الفارهة وطأطأ رأسه الذي يكاد ينفجر من كثرة الصداع الذي يعانيه وأغمض عينيه وأغمي عليه من شدة الألم.
أشرقت الشمس من جديد وبدأت أصوات السيارات والعابرين تعج بالمكان،لكن صاحبنا لم يستفق من سباته أو بالأحرى من غيبوبته، ربما داهمه الموت وهو في غفوته فأصبح جثة هامدة،أو ربما تأثير أعراض الإدمان عليه جعلته يغرق في نعاسه،تجمع الناس من حوله وهم يحاولون إيقاظه أو بالأحرى إنقاذه،وكأنه جماد لا يحرك ساكنا،تقدمت سيدة مسنة ترتدي جلبابا طويلا ولثاما “تطوانيا” تغطي به وجهها وتحمل في يدها بضع أوراق وبجوارها شاب لم يتجاوز العشرين،انحنت على ذلك الرجل المرمي الغارق في سباته وبدأت تهمس له في أذنيه لكي يستفيق،طلبت من الفتى العشريني أن يأتيها بقنينة ماء لكي ترشها على وجهه،ملأت إحدى كفيها بالقليل من الماء وبدأت تمسح وجهه وهي تتمتم،وإذا به يفتح إحدى عينيه فضمته لصدرها الحنون وأخذت تبكي بسبب الوضعية المزرية التي آل إليها ابنها،نظر إليها نظرات ثاقبة بوجهه المصفر وكأنما يطلب الشفقة والرحمة أو يطلب الاعتذار ثم أغمض مرة أخرى عينيه وجفونه مليئة بالدموع،وغاب عن الوعي،حضرت الإسعاف بعد طول انتظار إلى عين المكان لتحمله وهو في حالة خطيرة يرثى لها،الحمد لله تم إنقاذه في آخر اللحظات من موت محتمل و بعد أن خضع للعلاج لمدة معينة في المستشفى تم إيداعه إلى مصحة خاصة لمحاربة الإدمان ليستعيد عافيته ويبتعد من سم فتك بشباب ودمر حياتهم بالكامل وبدون رحمة ولا شفقة.
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني






