د. محمد ناجي
لقد أثارني ما كتب ونشر عن الرجل الذي أطلقوا عليه أنه صاحب الخوارق السيد محمد العربي الصمدي؛ وخاصة ما أخذ كثير من الناس يكيلونه له من رميه بالشعوذة والدجل والتخلف … حتى بلغ المر أحيانا مبلغ الشتيمة والقذف
وفي نظري أن الرجل مظلوم؛ فليس هو من سعى لصناعة تلك الهالة حوله، وإنما الذين اصطادوا له صورة عادية ونشروها وأخذوا يضخمونها بأساطير وخرافات وخوارق نسبوها إليه كذبا وزورا، هم المسؤولون عن كل ما حام حوله من خرافات وتهاويل .. ففي حديثه في الشريط المنتشر في وسائل الإعلام، لم يـدَّعِ لنفسه أي شيء من تلك الأساطير والخوارق التي نسبوها إليه؛ وصرح أن مستواه لا يتجاوز التعليم الثانوي، ومن ثم فليس من حقنا إذن أن نحاسبه محاسبة العلماء، ولا أن نطالبه بأن يكون كلامه وخطابه خطاب عالم موثِّـق أو فقيه مجتهد.. الرجل صرح أنه منذ طفولته كان يعجبه سماع سير الأولياء ، وتشده طقوس الصوفية؛ وأنه كان متعلقا بجده الذي اعتبره هو الولد الذي ولده؛ أي أنه أحله من نفسه مكانة تفوق مكانة والده؛ ولاشك أن هذا سيجعل معاملة جده له معاملة خاصة متميزة، مما سيؤثر في نفسية الطفل، ويجعله يتعلق بجده أكثر من تعلقه بغيره ؛؛ وهذا شيء عادي ، لأن الإنسان إما أن يتأثر بأبيه أو بجده أو بأمه أو جدته أو بأي شخص يتخذه قدوة في حياته .. وأنا أعتقد أن أي مثقف من أبناء جيلي لا يستطيع أن ينكر أنه لم يكن في طفولته مغرما بقرعة الأنبياء، أو بالحصن الحصين، أو بالروض العطر .. أو بسيرة علي مع الغول، وآدم والتفاحة.. فلماذا ننكر على هذا الشاب أن يعجب هو بسير الصالحين ورجال الصوفية وأصحاب الطرق ..
لقد نفى الرجل عن نفسه حتى ما راج عنه بين الفيسبوكيين من طيران وتنقل بين المدن في دقائق ،، مصرحا أنه لا يحسن حتى استعمال الكلافيي؛ فهو ما يزال يعتمد الكتابة بالقلم؛ وهذا ليس فيه شيء من عيب..
وحتى بالنسبة للباسه فقد استغرب لتعجب الناس منه؛ لأنه لباس مغربي عادي، لباس بلدي ـ كما قال ـ ، جلباب وقميص وعمامة . فأي شيء فيه يدعو إلى التعجب، أو يثير الاستغراب،
هناك من شبابنا اليوم ـ ذكورا وإناثا ـ من يلبسون ملابس، لا تستطيع أن تميزهم داخلها هل هم ذكور أم إناث.. وهناك ما هو أفظع من ذلك: هناك من يرتدي سراويل تكشف عن الجزء العلوي من مؤخرته، ومع ذلك لا يستغرب الناس.. بينما يستغربون لرجل يرتدي جلبابا عاديا، وقشابة عادية، ورزة عادية .. لباسا مغربيا كله ذوق وجمال ومنفعة، يحمي من شدة البرد، ويقي من شدة القيظ…
أما الـكُـحل ، فكل من كان له والد أو جد ممن كانوا يحرصون على حضور حلقات أصحاب الدليل أو الـمُـسَـمِّـعين، فلابد أن يكون قد رآه يُـكـحِـل عينيه. ولم يكن الكحل عند آبائنا للزيبة وحسب، بل كانوا يرون فيه دواء لبعض الأمراض التي تصيب العين، كالرمد مثلا، والعماش ، فهو يقاوم العماش في العينين.. على ما أتذكر من طفولتي.
بل إن الفقهاء وأئمة المذاهب عُـرِف عنهم أنهم يتكحلون ، ويصبغون شعرهم بالحناء ،، وقد لاحظت أن الشيخ السلفي المغربي أبو النعيم يصبغ لحيته بالحناء .. ولا ضير
وأكثر من ذلك فقد صرح هذا الصمدي العفيف أنه عبد ضعيف ، لا يرى لنفسه فضلا على غيره، ولا ينسب لنفسه عصمة ولا شيء، فهو ـ على عادة الصوفيين ـ يقر بأنه لم يوف اللهَ حـقَّـه، وأنه مذنب لربه؛ وهذا من تقدير الصوفية لجلال الحق سبحانه وتعالى..
فعلى أي شيء نعاتب الرجل ونؤاخذه؟ أليس من حق أي إنسان أن يختار لنفسه الطريقة التي يريد أن يحيا بها حياته؟
أليس من حق أي إنسان أن يختار لنفسه النهج الذي يريد أن يتبعه في حياته ؟
الرجل اختار التصوف؛ “الله يعاونو”، وقد صرح أنه لا يدعو أحدا ليأتي عنده، ولا يرد أحدا جاء عنده؛ وهذه من أخلاق المغاربة، فضلا عن كونها من أعراف أصحاب الزوايا وأصحاب الطرق الصوفية .. فإذا جئته أكرمك وأفادك بما لديه من علم؛ إن كنت ترغب في علمه، وإذا تركته؛ تركك . ومعلوم حسب ما درسنا من سير الصوفية وأصحاب الطرق، أن “البركة” التي تكون هبة من الله سبحانه، ويعتقد بها من يعتقد، لا تتطلب في الموهوب أن يكون عالما متضلعا في العلم، ولا حافظا ضابطا حصيفا.. فكثير من الأولياء الذين تقام لهم المواسم في المغرب، حظهم من العلم قليل، وإنما الناس تضع فيهم نيتهم ـ كما يقولون ـ والله تعالى يبلغ الرجاء.
وهنا لابد أن أشير إلى مسألة أساسية ، لها مفعول قوي جدا، وربما حاسم أحيانا ، وهي الأحوال النفسية للشخص .. فكم من مريض يمكن أن يُـشفى فقط، بتوهمه أنه شُـفِـي.. أو بثقته الراسخة القوية في بركة هذا الصالح أو هذا الولي، فإذا وضع يده على رسه، أو أعطاه بخورا ليزيل الغمة عن صدره، فإن ذلك المُعاني من الاكتئاب أو من الغمة أو غيرهما، يُـشفى لأنه صدق أن بركة الولي أقوى من المرض.. وهذه أمور نفسية، يستعملها حتى الأطباء أحيانا. فقد كان لي طفل يتبول باستمرار، وهو لا يعاني من أي مرض على الإطلاق.. وعرضناه على كثير من الأطباء دون نتيجة؛ حتى أخذته إلى طبيب حاذق، ليست له يد مع الصيدليات ، فأعطاه علبة فيها أقراص، وأعطاه دفترا، وكلفه بأن يسهر بنفسه على تناول الدواء كل ليلة قبل النوم، وأن يبدأ بأربع حبات في اليوم الأول، ثم ثلاثة، ثم اثنين، ثم حبة واحدة.. وأن يكتب في الدفتر تاريخ اليوم، وساعة النوم، وعدد الحبات التي تناولها.. ويكتب في الصباح عدد المرات التي قام فيها للتبول بالليل، أو يسجل أنه بال تلك الليلة .. وبعد اليوم الرابع سيتوقف عن التبول في الفراش
وكذلك كان ..
فلما سألت الطبيب عن هذا الدواء السحري، قال لي إنه فـنـيد عادي رخيص (bonbon pas cher) ، أحضره معه من فرنسا لمثل هذه الحالات .
ما أظلم هذه الأمة “لما كتبغي الخدمة فشي واحد” ..
خليـوْا الرجل عليكم الله يهديكوم أعباد الله ..




