نظم مركز إنماء للدراسات والأبحاث المستقبلية يوم السبت 2 ماي ندوة بعنوان ” البناء الحضاري بين التنمية الذاتية ومفهوم التكامل المعرفي ” وحل ضيوفه أهلا وسهلا بقصرالبلدية بالقنيطرة لإلقاء المحاضرة وقد ألقاها كل من :
*******
– الدكتورة مريم ايت احمد رئيسة مركز إنماء للأبحاث والدراسات المسقبلية وأستاذة جامعية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة .
– الدكتور إبراهيم بورشاشن الخبير في منهجية تكامل العلوم
– الدكتور احمد محمد عبد السلام الخبير في التنمية الذاتية من جمهورية مصر العربية
*******
في كلمة ترحيبية أشادت الدكتورة بالحضور وبالضيوف من الأساتذة والدكاترة والطلبة، كما اثنت على اللجنة المنظمة للندوة .
كانت الكلمة الأولى للدكتور إبراهيم بورشاشن :
بعد الإبحار في ديوانه الأخير في عيون الحوريات ,أبحر بنا المفكر و الفيلسوف الفقيه في عوالم المعرفة وذلك بطرحه لقضية التجديد في العقل المعرفي الاسلامي و التدرب على التفكير في قضاياه المطروحة .عهد الحداثة أوفى بعهده في زيادة المعرفة و التقدم في متطلبات الحياة المادية و الخارجية و أصبح من السهل الوصول إلى المعرفة إلا ان الصعوبة الأكبر تكمن في توظيف هذه المعارف وفق متطلبات المجتمع الراهنة
كيف نتعلم؟ و كيف نفكر؟ و ما هو السبيل للوصول إلى المعرفة ؟ وكيف نصيغها لتلبي حاجاتنا الراهنة ؟
قدم لنا المفكر سياحة فكرية في التاريخ الثقافي الإسلامي العظيم لكن الخطأ الذي وقعنا فيه هو إقامة الخطوط الفاصلة بين العلوم باعتبار مقياس المحمود و المذموم كما أن تغير البراديغم الحاكم للعلوم في اتجاه التجزئة للمعرفة و الإغراق في التخصصات الدقيقة و التوجه إلى أجزاء معرفية مختزلة أدى إلى افتقار الرؤية للوحدة الكلية التاريخية للمعارف قال تعالى (و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا )و قال جل شأنه (وقل ربي زدني علما ) دليل على التحفيز والإنفتاح .
إن القراءة السليمة للنص الديني و السنة النبوية المطهرة كفيل للخروج من هذه النظرة الضيقة و التجزيئية للمعارف .
“” من المستحيل تغيير أفكار الاخر إن لم ننفتح عليه”” عبارة صريحة أطلقها الدكتور وأعطى أمثلة على ذلك من التراث الإسلامي كتجربة الإمام الغزالى بعد أن ابتلع الفلاسفة و سمي في مرحلةمن حياته بالفيلسوف بفعل اندماجه بالفكر الفلسفي ،و انفتاح العديد من أعلام الفكر الإسلامي كابن رشد و الفرابي و ابن خلدون و الإمام الرازي و …. على العلوم الأخرى .
أشار الأستاذ المحاضر إلى الفرق الجوهري الكائن بين الفلسفة وفعل التفلسف هذا الأخير الذي قوامه
المشكلة : القدرة على بلورة الإشكالات الحقيقية
المفهمة :القدرة على صناعة المفاهيم (المفهمة)
الحجاج:القدرة على الدفاع عن الأفكار وفق بناء منطقي رصين
وكجواب على سؤاله السابق ينطلق الدكتور من أنه لا يمكن الاستفادة من العلوم إن لم تكن لنا خريطة جغرافية تحدد لنا العلاقات القائمة بين العلوم ،ومعرفة تصنيفها . حيث ركز على أهمية دراسة العلوم قصد تصنيفها ومعرفة موقعها في منظومة العلوم الإسلامية . هل التصنيف باعتبار مجالات معينة ؟ أم النظر إلى العلوم بصفتها علوم مستقلة أو متفرعة عن العلوم الأخرى كعلم المقاصد مثلا و أن ذلك يكون بتناولها انطلاقا من ذاتيتها بكل حيادية بعيدا عن الانتماء الذاتي . ثم تساءل عن موقع علوم الفلسفة وعلوم الآلة والتاريخ وعلم الاجتماع و الانتربولوجيا في المعارف الإسلامية .
ثم أجاب بان الإسلام استفاد من هذه العلوم كعلم الفلسفة مثلا الذي قدم خدمات كثيرة للإسلام والمسلمين لان علماء الإسلام عندما قامو بخوض غمار هذا العلم إنما كان الدافع لهم هو الذب عن الشريعة الإسلامية وحمايتها ورد سهام الفلاسفة من اليونان والرومان الذين نزلوا طعنا وتشكيكا في العقيدة . وذكر ما قام به الإمام الغزالي رحمه الله حينما تصدى للفلاسفة من خلال تعمقه ودراسته لعلم المنطق أو علم الكلام كما يسميه القدماء .
كما شدد على أهمية دراسة المناهج التعليمية وتقييمها ومعرفة كيفية الاستفادة منها ودعى إلى تصنيف جديد للعلوم وأنه ليس هناك علم نافع وعلم ضار وإنما يجب دراسة الكل ثم إعادة تصنيف هذه العلوم من حيث تموقعها الذاتي وكذلك من حيث تكاملها ضمن المنظومة المعرفية الشاملة . ثم تساءل : هل سنظل نكرر نفس التصنيف القديم الذي وقف عنده الأوائل، أم انه حان الوقت لنقدم معيارا جديدا للتصنيف ، وهل نصنفها من حيث أنها نظرية أو نفعية، بمعنى هل نبحث فقط عن العلوم التي يحتاجها الفقيه للاجتهاد والاستنباط كعلم الاجتماع وعلم الكلام وعلم الانتربولوجيا وغيرها وأشار إلى أن الفقيه في حاجة إلى هذه العلوم لأنها تساعد على إيجاد الحلول المتناسبة زمانيا ومكانيا .
وأشار في الختام إلى علم لا زال لم ينل حضه من الدراسة والنظر ألا وهو علم تحقيق المخطوطات وقال بان المخطوطات في الأمة الإسلامية أكثر من الكتب المحققة كما دعى إلى إعادة النظر في وسائل تحقيق المخطوطات وعدم الوقوف عند الوسائل القديمة والانفتاح على الوسائل والإمكانيات التكنولوجية الحديثة في هذا الميدان .
كلمة الدكتورة مريم ايت احمد :
تحدثت الدكتورة مريم ايت احمد عن البناء الحضاري من خلال تحديد واقع المعرفة في العالم الإسلامي ومن خلال التنمية الذاتية أي مستقبل ومن زاوية تكامل العلوم والمعارف ، ثم تساءلت قائلة ما الذي أعده المسلمون في حزمة آليات الانفتاح خاصة بعد المالات التي صارت إليها الدول العربية والإسلامية ، والتي هي نتاج الجهل والانغلاق على الذات وعدم الانفتاح على كافة العلوم والثقافات الفكرية والمعرفية
وركزت الدكتورة على نظريات وأفكار مهمة لانطلاق الشهود الحضاري أبرزها :
ضرورة فتح باب الاجتهاد وإعادة النظر في آلياته ، وعدم التخوف من الرمي بسهام العولمة لان هذا حيز ضيق يدخل منه دعاة الجمود والركوض لمحاربة كل محاولة لإعمال الفكر والعقل من جديد .
وأكدت على أن العلوم الدينية لم تنحصر في الحلال والحرام وإنما اتسعت لتشمل كل العلوم الأخرى بهدف عمارة الأرض لان الشهود الحضاري لا يمكن أن يقوم على تجزئة العلوم مع مراعاة الذات في التعامل مع التقنيات الحديثة .
كما أكدت على أن طالب العلم اليوم وخريج الجامعات العربية والإسلامية لا بد له من الانفتاح على كافة العلوم والثقافات .و تساءلت الدكتورة عن موقع العقل المسلم من الكتلة العلمية المعرفية ومن المنجز الحضاري ، وقالت بأنه علينا أن نقرر أولا أزمة الذات ولا ننتظر الحل من الغير، انطلاقا من نقد الذات وتشخيص الواقع ، فالكل اليوم يتحدث عن المنجز الغربي لكن أين موقعنا نحن المسلمين في هذا الانجاز ؟.
وأشارت إلى أن الوحي وظف المعرفة التكاملية، حيث نرى تكامل الوحي مع كافة العلوم كالطب والفلسفة وغيرها، و أن سلفنا الصالح تصدوا للطاعنين في الشريعة الإسلامية من خلال المواجهة الفكرية والعقلية .إلا أن التكلس العقلي الذي أصاب العقل المسلم جمد مشروع “اقرأ” في الوحي فتوقفنا عن التعلم بالقلم وتشبثنا بالدين والقران عاطفيا لكننا لم نلتزم بذلك معرفيا، فحينما همشنا “اقرأ” في الوحي كانت النتيجة أننا عارضنا منهج الله .وتمركزنا بنظرية ضيقة لمناهج علوم الوحي فحدث شرخ كبير بإلغاء العلوم الأخرى ، ففصلنا الوحي عنها وجردنا بذلك العلوم الإسلامية من حركية الإبداع المعرفي الذي تركه أسلافنا وصار إرثا تاريخيا مقدسا تتداوله الأجيال .
وفي محور تكامل العلوم ركزت الدكتورة مريم على أهمية التكامل المعرفي وأشادت بفكرة أسلمة المعرفة التي أنتجها العقل المسلم إلا أنها عقبت عليها بأنها ضيقت نطاق المعرفة وكرست للانغلاق على الذات وإلغاء الأخر ، في حين أن القاعدة الأساسية في تكامل العلوم هي البحث عن الحكمة لتحقيق الشهود الحضاري في كافة المناحي لان الحكمة ضالة المسلم .
وأشارت إلى أننا اليوم نبحث عن مناهج تتكامل فيها العلوم ككل فابن رشد جمع بين الطب والفقه والفلسفة والبيروني جمع بين الفقه ومقارنة الأديان …
ونقد الذات المعرفية لا يجب أن ينطلق من الطهرانية والملائكية فهذا سيؤدي إلى الانغلاق على الذات وسيترتب على ذلك عقلية الجمود والتحيز وبالتالي إجهاض النهضة التكاملية في العلوم . فالكلام اليوم يجب أن ينصب على مشروع تكامل العلوم لأنه سبيل إلى البناء الحضاري، وعززت ذلك بآراء لمجموعة من الباحثين منهم الدكتور محمد أحمد عبد السلام الحاصل على جائزة نوبل والذي اعتبر العلم كونيا وهو أيضا ما أكده الفقيه المغربي بن هيدور التادلي حين قال ” واعلم أن الحساب ركن من أركان الدين ” فمشروع أسلمة المعرفة عجز عن توليد البيئة التكاملية للعلوم وكرس لأدلجة هده العلوم، وتحيز بالاكتفاء بالعلم المقروء دون المنظور .
وأكدت الدكتورة في الأخير على ضرورة إحياء النفير الحضاري من خلال دعم مشاريع التجديد وشددت على دور الأساتذة والمؤطرين و أن هذا غير كافي، فلا يمكن تحقيق الشهود الحضاري بالمحاضرات والندوات لكن لا بد من إصلاح المنظومة التعليمية لتوجيه الأجيال إلى اكتشاف معارف جديدة .
كما أكدت على انه لا بد لطالب العلوم الشرعية من الاطلاع على كافة العلوم والمعارف الجديدة، ولا يشترط له التعمق وإنما يكفي أن يكون لدية فكرة ودراية، فالأمة اليوم بحاجة إلى عقول اجتهادية منفتحة على كافة الثقافات والمعارف ودعت الدكتورة إلى ضرورة اصلاح وتطوير مشاريع الدراسات الإسلامية ومناهجها وتحويلها من التلقينية إلى التحليلية .
وفي الختام دعت إلى ضرورة تبني مشروع التكامل المعرفي والانفتاح على كافة العلوم بكل تلاوينها من دون تحيز لان الشهود الحضاري لن يتحقق إلا “باقرا ” أي بالمعرفة .
كلمة الدكتور احمد محمد عبد السلام :
ركز الدكتور أحمد على مفهوم الحضارة ومكوناتها وكيف يمكن للفرد انطلاقا من نفسه أن يساهم في البناء الحضاري وعرف الحضارة بأنها مجموعة من الأمزجة المتنوعة كالفنون والعمارة واللهجات وغيرها فكل ذلك يشكل الحضارة ثم إن المعرفة التي تكتسب من هذه الحضارة تنتقل من امة إلى أخرى وأكد على انه لن تقوم حضارة إلا بالمعرفة والعلم وان الذي يصنع الحضارة هو الإنسان وسنة الله في خلقه انه لا يضيع اجر العاملين ولذلك نجد هذه المعارف من منجزات فكرية وزراعية وصناعية انتهاء إلى التكنلوجيا التي غيرت مجرى حياة الإنسانية .
وذكر أن الحضارة المعاصرة ما هي إلا نتيجة حتمية لهذه التراكمات المعرفية وذلك مند أن بدأ الإنسان يعي ضرورة تنمية ذاته ، وأشار إلى أن هذه الثورة الصناعية التكنولوجية كانت سببا في شقاء الإنسانية والأمر على خلاف ذلك تماما لان الله عز وجل لم يخلق الإنسان ليشقيه قال تعالى ” طه ما أنزلنا عليك القران لتشقى ”
فنتج عن هذه الحياة المعاصرة الكثير من الحروب والصراعات ووصف المجتمع الإنساني بأنه صار محموما .
إلا أن الفكرة المحورية التي دارت حولها كلمة الدكتور هي تشديده وتأكيده على نظرية النفير النفسي والفردي والتصالح مع الذات، وعزز النظرية من خلال أشرطة للفيديو تصب في نفس الموضوع، وقال انه إذا كانت لدينا أزمة معرفية إسلامية فيجب أن نحدد موقعنا وان ننجز شيئا لامتنا ونحقيق ثورة نفسية .
كما أكد على أهمية مشروع تكامل العلوم ولكن قبل ذلك يجب التخلص من كلالة النفس واليأس الذي بداخلنا لأن العجز و الكسل إنما يكمن بداخل النفس الإنسانية، و فك قيوده ينطلق أيضا من الذات فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .
ونبه على أهمية ” اقرأ ” وذكر بعض الإحصائيات التي تدل على أن العرب و المسلمين في مجال القراءة والمطالعة يحتلون مراتب متأخرة إلى جانب الشعوب الغربية واليهودية وغيرها .
و ختم كلمته ببعض الخطوات العملية للنفير الفردي والتي تتلخص فيما يلي:
1 الرغبة.
2 القرار.
3 الالتزام.
4 الكفاح.
5 العمل الدءوب.
6 الثقة بالنفس.




