د. محمد ناجي
لا يماري أحد في كون الصحف تعاني من عجز مزمن في مداخيلها لعدة أسباب ، نقتصر منها على أهمها في نظري وهي :
1°) نظرا لتعددها الكبير جدا بالمقارنة مع عدد القراء المولعين بالجريدة الورقية؛ مما يجعل تقسيم هذا العدد القليل من القراء على ذلك العدد الكثير من الصحف يقلل من مداخيلها جميعا .
2°) أن هناك قراء يرغبون في اقتناء صحيفتين أو أكثر في كل يوم، ولكن نظرا لارتفاع ثمنها الحالي ـ والذي يجب أن نقر به ؛ باعتبار نوعية القراء الذين هم في أغلبهم من الموظفين والطلبة، ممن لا يستطيعون اقتناء كل الجرائد التي يكون فيها خبر أو مقال يستهويهم ويريدون الاطلاع عليه .
3°) نظرا لوجود عدد كبير جدا من القراء البخلاء المتحايلين من مدمني الجلوس في المقاهي لضرب عصفورين بحجر : لاحتساء فنجان قهوة بدون مقابل، وقراءة أكبر عدد من الجرائد في وضعية مريحة، وبدون مقابل أيضا . لأن هذا النوع من الزبناء يستهلك ثمن قهوته في قراءة جرائد اليوم الموضوعة في المقهى رهن إشارة الزبناء؛ فإذا قرأ ثلاث جرائد مثلا، وأدى ثمن فنجان القهوة بسبعة دراهم أو ثمانية، فإنه يكون قد شرب القهوة بدون مقابل ، وربح درهمين لجيبه .


4°) وهذه هي الأخطر والأكثر شراسة ؛ فهي ما أصبحت تمثله الجرائد الإلكترونية من تهديد حقيقي لمستقبلها، نظرا لما تمتاز به تلك الجرائد الألكترونية من آنية في نقل الخبر، ومن سهولة في الحصول عليه نقلا من وسائل إعلام أخرى، أو إرسالا من طرف مراسليها بواسطة وسائل التواصل الإلكترونية الحديثة، ثم ما يصاحب ذلك من مجانية في الاطلاع عليه بالنسبة للجمهور، والاطلاع على ما قد يرافقه من تعليقات القراء ومعرفة توجهاتهم وموافقهم، وهو ما لا تستطيع أي جريدة ورقية أن تحققه، مهما بذلت من جهد، أو تطورت في طريقة تقديم منتوجتها وعرض خدماتها.
ومع ذلك، فالذي لا يدرك كله، لا يترك كله؛ إذ هناك حلول في نظري يمكن أن تخفف من حدة الأزمة ، ولو قليلا؛ أذكر منها :
أولا : تخفيض ثمن الجريدة بدل الزيادة فيه، لاستقطاب أكبر عدد من القراء؛ بحيث إذا تصورنا أننا أصبحنا اليوم ، ووجدنا أن ثمن الجريدة درهمان فقط بدل ثلاثة، فأغلب القراء سيشتري جريدتين أو أكثر بدل واحدة ، وأغلب من كان يكتفي بتصفحها عند البائع، سيشتري واحدة، لأن درهمين هي ثمن سيجارة صفراء (بحال يلى كْـمى شي كارو).
ثانيا : تحفيض ثمن ورق الجرائد من طرف الدولة إلى أقصى ما يمكن، ولو بإدراجه في صندوق المقاصة إلى حين.. ريثما يتعود المغاربة على قراءة الجريدة الورقية كما كان حالهم في السبعينيات والثمانينيات .
ثالثا : إصدار مرسوم من وزارة الثقافة تمنع بموجبه وضع المقاهي للجرائد الوطنية رهن إشارة زبنائها، لأن في ذلك استغلالا تجاريا لتلك الجرائد يضر بمصدريها ، حيث تستغلها المقاهي من أجل استقطاب أكبر عدد من الزبناء؛ بدل أن تعمل على استقطابهم بجودة منتوجها وتحسين خدماتها؛ إذ يلاحظ أنه كلما كانت المقاهي تضع رهن إشارة زبنائها أكبر عدد من الجرائد، ازداد عدد زبنائها.
وقد مرت حادثة شبيهة بالنسبة لنقل مباريات كرة القدم عبر القنوات المؤداة في المقاهي، حيث اعتبرتها الشركة المالكة لتلك القنوات استغلالا غير مشروع لمنتوجها التجاري، ولحق البث الذي هو رأس مالها؛ ومنعتها من ذلك إلا بترخيص خاص بالمقابل.
رابعا: عدم السماح للجرائد الألكترونية بنشر ملخصات لأهم ما جاء في الجرائد الورقية، وهي قيد البيع؛ أي قبل أن تسحب من الأكشاك، إلا بموافقتها .
خامسا : الزيادة في الدعم المادي من طرف الدولة للجرائد؛ على أساس أن يمنح بحساب ثلاثة عناصر :
1 ـ جودة المنتوج شكلا ومضمونا وتنوعا، وذلك بتخصيص لجنة نزيهة محترفة لترتيب الجرائد بناء على هذه المقاييس.
2 ـ باحتساب عدد العاملين في الجريدة، رسميين أو غير رسميين، ومدى ملاءمة أجورهم للمستوى العادي وطنيا أو محليا، ومدى توصلهم بتلك الاجور في أوقاتها. ويمكن أيضا احتساب العلاوات التي تقدمها الجريدة لمستخدميها تقديرا لجودة أعمالهم، أو تضحياتهم، أو ساعاتهم الإضافية، أو تنقلاتهم ووسائلها… إلى غير ذلك مما يمكن إدراجه ضمن تلك المقاييس.
3 ـ بناء على مقدار عدد الجرائد المبيعة. وقد جعلت هذا العنصر ثالثا، بل يمكن جعله ثانويا، لأننا نعيش في عالمنا العربي نوعا من الاكتساح الإعلامي الممنهج لإفساد المقاييس، أو الظهور بمظهر القوة الغالبة والأكثرية عدديا، لتوجيه الإعلام، وتوجيه السياسة أيضا بدعوى حكم الأغلبية؛ بحيث أذكر أن قناة الجزيرة قامت في سنواتها الأولى بشبه استطلاع للرأي لمعرفة أحسن البرامج التي تقدمها حسب مشاهديها.. وكانت ساعتها تقدم برامج تتنوع ما بين ذات مستوى عال جدا من الحرفية، وتحتاج إلى تحضير طويل وعسير قد يستغرق عدة شهور أحيانا لإنجاز الحلقة الواحدة و تصويرها ، وترصد لها ميزانية كبيرة نظرا للمجهود الكبير، والوسائل المستعملة، وأحيانا لما قد يتعرض له صاحب البرنامج أو مُـعِـدُّه من مخاطر حقيقية، عندما يغامر بنفسه ويدخل إلى معاقل طالبان مثلا، أو يكشف عن جريمة اغتيال ارتكبتها الموساد، أو يخترق حصون الاتحاد السيوفياتي، أو لاسيا … إلى غير ذلك مما يجعلها ذات محتوى معرفي حصري في ذلك البرنامج، لأنها ليست معارف مبثوثة في آلاف الكتب والجرائد والمجلات .
وفي نفس الوقت كانت الجزيرة تقدم برامج أخرى عادية جدا، ليس فيها أي شيء من الجدة أو التميز، ولا تحتاج إلى مجهود حرفي كبير، ولا إلى تحضير طويل الأمد، ولا إلى ميزانية مهمة، وغالبا ما تكون حصيلتها المعرفية هزيلة جدا، أو مبثوثة في كل زاوية أو كشك لبيع الكتب والمجلات .
ثم جاءت النتيجة بأن معظم المشاهدين صوتوا لصالح برنامج كان كل ما فيه؛ أن الصحفي يستدعي في كل أسبوع الشيخ يوسف القرضاوي ويلقي عليه أسئلة في الدين والشريعة، ويجيب عليها الشيخ بما يناسبها من آيات قرآنية أو أحاديث نبوية ، أو بما ذكره في كتبه المعروضة في كل المكتبات والأكشاك .
فهل بعد هذا يمكن أن نحتكم لرأي الأغلبية، وقد وقع عندنا نحن أيضا مثل هذا في المغرب عندما فازت صحفية في الرياضة في القناة الأولى، كانت تقدم نتائج المباريات وأسماء اللاعبين ومسجلي الأهداف.. وأكتفي بهذا ؛؛ لأنني مع تقديري الكبير لهذه الصحفية الذكية التي اخترقت ميدانا كان حكرا على الرجال إلى حين، وبزتهم، وتفوقت عليهم فيه باحتلالها المرتبة الأولى جماهيريا ضمن صحفيين مقتدرين ـ ولا أنتقص بهذا من مقدرتها وكفاءتها ، لأنني أتحدث عن النوعية وعن المضمون ، وليس عن الشخص ـ ؛ إلا أنني كنت أضطر في كل صباح بعد ذلك البرنامج الرياضي، إلى تصحيح عباراتها حتى لا ترسخ في أذهان طلبتي، من مثل قولها: إحدى عشر لاعبا، وفَـلَـح في تسجيل الإصابة ؛ وغير ذلك من منكرات اللغة.
سادسا : تخصيص الدولة لجوائز نقدية فصلية لأحسن مقال منشور أو روبورتاج أو تغطية أو تحليل في مختلف المواضيع : السياسية أو الرياضية أو الثقافة العامة أو الفنون الجميلة أو غير ذلك مما يكون من إنجاز طاقم الجريدة الصحفي .. على أن تخصص الجريدة هذه الجائزة نفسها لاثنين أو ثلاثة من أجود كتابها من القراء الشباب، من غير المحترفين أو الكتاب المعروفين المشهورين في المغرب أو خارجه ، لتساهم في تشجيع الطلبة والشباب على التعود على التواصل والاحتكاك بالجرائد الورقية.
هذه في نظري بعض الحلول الممكنة لإرجاع الروح إلى الجرائد الورقية، والتي لا يحق أن نبخس دورها التاريخي في توعية المواطنين ومآنستهم في وحدتهم، وتقديم وجبات متنوعة الطعم واللون حين كان القارئ كيفما كان نوعه أو توجهه يجد فيها شيئا يرضية وغاية يبحث عنها .. أما عن دورها الإخباري في تلك الأيام الجميلة والعصيبة معا، فقد كان رائدا بعيد المدى؛ فاق أحيانا وسائل الإعلام الرسمية؛ بحيث يكفي أن نتذكر مدى تجاوب القراء مع مختلف الجرائد أيام حرب العراق، وتسابقهم إلى اقتناء جريدتهم قبل أن تنفد، وهو ما لا يمثل اليوم حتى عُـشُـره أو أقل من عشره؛ رغم أن حروب هذه السنوات الأخيرة بمفاجآتها، وفظاعاتها، ووحشيتها، وغرائبيتها، وأسبابها التي لا نعرف ما إذا كانت دينية أم سياسية أم طائفية، أم مجرد أسباب ودوافع همجية وميتافيزيقية مفتراة، تفوق بكثير فظاعة حرب العراق وغرابتها، حيث كان الجميع تقريبا يدرك أن العراق لا يمكن أن تخرج منها بسلام في مواجهة أقوى دول العالم وأشرسها .. ومع كل هذه الفوارق؛فإن الجرائد الورقية لم تتمكن من تخطي حاجز الأمان ولو لسنة أو سنتين مقبلتين.
وواضح أن هذه الحلول المقترحة جلها يقوم على كاهل الدولة، ممثلة في وزارة الثقافة . والواقع أن المغاربة لا يعرفون بالضبط وبالتحديد أين تصرف ميزانية هذه الوزارة، على هزالتها نسبيا؛ لأن نتائجها الملموسة قلما تظهر ، إلا في إنفاق المبالغ الطائلة على المهرجانات، أو تشجيع الإنتاج السينمائي.
وفي نظري أن تشجيع منبرين صحفيين أو ثلاثة، وإبقاءهم على قيد الحياة ، ولو في غرفة الإنعاش؛ أجدى وأنفع من إنفاق نفس المبلغ أو أكثر منه للتشجيع على إنتاج فيلم، يظهر في الأخير أنه سخيف، أو تافه، أو شاذ، أو لا يستحق حتى أن يعتبر فيلما سينمائيا بالمفهوم الحِـرَفي للسينما .
ومع كل هذا ؛ أكرر مرة أخرى، أنه لا يجب أن يتجاوز تفاؤلنا حدوده المعقولة بالنظر للتطور الألكتروني الراهن، فهجمة الجرائد الإلكتونية على الإعلام الورقي، هجمة شرسة، وتكاد تكون فتاكة؛ خاصة بالنسبة للجرائد الإلكترونية القوية والتي اكتسبت قوتها إما من سبقها إلى الميدان، أو من توجهها الواضح، أو بتتيجة معروض الذي يحترم القراء ولا يتصيدهم بعناوين مثيرة هزيلة المحتوى أو التي لا تعكس المضمون الأمين للمقال؛ حيت يقتدون في هذا بالعنوان التجاري المبهر الذي يدرسه طلاب معاهد الإعلام، عندما نشرت صحيفة مقالا بعنوان كبير مثير : (الحاجة الحمداوية في السجن)، فتهافت الناس على اقتناء الجريدة للشهرة الواسعة التي كانت تتمتع بها مغنيتنا المحبوبة،ذكرها الله بخير؛ وإذا بالمقال يتحدث عن حفلة تبرعية أقامتها الحاجة الحمداوية، في أحد السجون للتخفيف عن نزلائه والترويح عنهم.
وقد كان من الممكن أن تكون ذهبت فقط لزيارة أحد معارفها أو صدقائها أو جيرانها، ثم تطلع الجريدة بمثل هذا العنوان الصادم. فهل هذا إعلام يحترم؟
[email protected]




