د. محمد ناجي
بدون الخوض في التفاصيل، فمما لا شك فيه أن الموقف الذي اتخذه نادي قضاة المغرب في مواجهة بيان نقابة القضاة بفرنسا، موقف مشرف يُـحـمَـد لهم، لأنه يدل على غيرة صادقة على حرمة الوطن وعلى سمعة قضائه معا ؛؛ ولكنني مع ذلك سوف أكتفي بالتلميح إلى بعض الأسباب والنتائج في تعليقي المتواضع هذا على تلك الوقفة الاحتجاجية، تفعيلا لاهتمامي المتواصل بالمسألة القضائية في بلادنا، التي أصبحت شغليَ الشاغل منذ سنة 2008، بعد أن اضطُـرِرت إلى التخلي عن كل أنشطتي الأدبية، وتنازلت عن إتمام مشروعي الأكاديمي حول [ظاهرة الوضع في الثقافة العربية]، بدراسته في الشواهد ، وفي علوم: التفسير، والانساب، والتاريخ، بعد تناوله في الشعر والحديث في أطروحتي المتواضعة.. ؛ إلى أن داهمتني وعائلتي عجلة قضاء متسرع، لم يَـتَــرَوَّ في إصدار قرارات متطرفة في الظلم والتعسف، حطمت كياننا، وحولت حياتنا إلى جحيم ؛ وأضاعت مستقبل إحدى بناتي التي كانت على أهبة مناقشة أطروحتها للحصول على شهادة الدكتوراه من فرنسا، وهي الأطروحة التي بعثت إليها إحدى أكبر دور النشر في فرنسا مقترحة عليها طبعها على نفقتها بعد مناقشتها، ولكن قرار منعها من مغادرة التراب الوطني من سنة 2009 إلى سنة 2014، أطاح بكل ذلك الأمل، وقضى على ذلك المستقبل العلمي؛ لأنها بعد صدور حكم برفع المراقبة القضائية في سنة 2014 ، كانوا في الجامعة قد شطبوا عليها، لانتهاء الفترة المسموح بها للمناقشة.

لقد جعلني كل هذا أغير اتجاه مساري الفكري والثقافي، فتحولت مضطرا إلى التعاطي “لمسألة القضاء في المغرب” عسى أن أجد مبررا قانونيا لتحويل الضحية في المغرب إلى مجرم، وأن أتَـبَـيَّـنِ كيف تَـصدُر قراراتٌ يستحيل إيجاد مقدار ذرة من الصواب والنزاهة فيها ـ وأنا لا أعمم حيث لا يجوز التعميم ـ ؛ ولكن ما هـيَّأتُه للنشر بعد انتهاء القضية، سيكون كفيلا بإبراز هذا الواقع المؤلم الذي يدمي القلوب.. بما فيها قلوب الذين لا يتورعون عن الظلم الفاحش والجور البين، بعد أن يلمسوا آثاره المدمرة على ضحاياه.
لذلك أقول بهذه المناسبة :
هناك وسيلة علمية ، معتمدة عالميا ، هي التي تُـقـرِّب للباحث الوضعَ الحقيقيَّ الذي يكون عليه أي قطاع في أي دولة، وتلك هي القيام باستمارات موضوعية مبنية على أسئلة محددة؛ دقيقة وهادفة، حول الموضوع المراد دراسته بدقة. لأن النتائج التي تقدمها تلك الاستمارات؛ إذا ما أشرفت على إنجازها مؤسساتٌ أو شركات محايدة؛ تعتبر نتائج موضوعية، تمثل الواقع المعيش، أو تكاد تقترب منه؛ فتؤخذ بعين الاعتبار، لأنها مستقاة من الميدان، وليس من الشعارات، أو من وسائل الإعلام الرسمية أو المعارضة .
وبمناسبة خروج نادي قضاة المغرب للاحتجاج على نقابة القضاة في فرنسا «على تشكيكها في قدرة المغرب على القيام بالمحاكمة العادلة والأبحاث المرتبطة بها»؛ أقترح على أعضاء هذا النادي المحترمين ـ إن كان يريدون أن يردوا على نقابة القضاة بفرنسا بالرد العملي الحاسم، وبالحقيقة المؤيَّـدة بدليل شبه علمي، ومقبول في العالم أجمع ـ …
أقترح عليهم أن يقوموا باستمارة من هذا النوع، يمكن أن يجعلوها من سؤال واحد، تكون الإجابة عليه بالتأشير على علامة واحدة من ثلاث علامات ، على أن يكون السؤال واضحا وبسيطا ، مثل :
كيف ترى القضاء في المغرب:
ــ جيد
ــ متوسط
ــ ضعيف.
أو أن يختاروا أي سؤال يتوخون من الإجابة عنه استكناهَ مواقف المواطنين من نزاهة قضائهم .
وبذلك يستطيع النادي التقاط الصورة الحقيقية، والوقوف على الانطباع الغالب لأفراد المجتمع المغربي عن القضاء والعدالة في دولتهم.
وأظن أن السادة القضاة لن يُفاجَـأوا بالنتيجة ، لأنهم بحكم انغماسهم في الميدان، يعرفونها مسبقا .. وبعدها يمكنهم أن يخرجوا للاحتجاج على نقابة القضاة في فرنسا ، وعلى قاضي محكمة أوستين بولاية تكساس الأمريكية الذي رفض العمل بحكم صادر عن أحد قضاة المغرب، لا يُـستبعد أن يكون من ضمن أعضاء نادي القضاة المحتجين .. معللا رفضه بكون القضاء في المغرب ليس شفافا. وهو المبرر الذي كانت تعتمده بعض الدول الأوروبية كبلجيكا في رفضها التعاون القضائي مع المغرب.
إن «الاحترام المتبادل لسيادة البلدين ولمؤسساتها القضائية » الذي نادى به نادي قضاة المغرب، أمر واجب ومرغوب فيه؛ غير أنه لا يمكن أن يكون مجانيا؛ بل له شروط . فهل موقف المواطن الفرنسي أو الأمريكي من قضائه ـ بصفة عامة ـ، هو نفس موقف المواطن المغربي من قضائه ـ بصفة عامة ـ ؟
هل سبق لرئيس فرنسي أن صرح علنا ورسميا، بأن القضاء في فرنسا مُـتـعَـب ويحتاج إلى شيء من التخليق والتصحيح كما هو الشأن بالنسبة للمغرب الذي خص جلالة الملك قضاءه بخطاب بليغ منذ ست سنوات، بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب في 20 غشت 2009 .. حيث أكد على أن القضاء هو « الموطِّـد للاستقرار الاجتماعي … وأن قوة شرعية الدولة نفسها وحرمة مؤسساتها من قوة العدل ، الذي هو أساس الملك » كما حدد فيه المحاور الأساسية لإصلاح القضاء؛ ثم ختمه بهذه الآية الكريمة الحاملة لإشارات لا تقاربها في إيصال الغاية منها أقوى العبارات صراحة أو إيحاء :
(﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل )﴾
وقد كانت أولَ مرة يُـخـتَـم فيها خطاب ملكي بهذه الآية الدالة المعبرة، في كل تاريخ المغرب، حسب ما اطلعت عليه من خطب منذ الاستقلال إلى اليوم .
وكان جلالته قد عبر قبل ذلك عن مفهوم جديد لإصلاح القضاء في خطابه الذي ألقاه في افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان في 8 أكتوبر 2008 ؛ والذي ألح فيه على أن حُـسن تنفيذ المخطط للإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة «لا ينحصر فقط على عمل الحكومة والبرلمان ، وإنما هو رهين أساسا بالأداء المسؤول للقضاة »
بل قبل ذلك كله ، وبمجرد اعتلائه عرش المغرب، كان جلالته قد نبه في رسالة سامية وجهها إلى المشاركين في الندوة الوطنية حول << دعم الأخلاقيات بالمرفق العام >> في أكتوبر 1999 إلى ضرورة تخليقه ، حيث جاء في تلك الرسالة السامية :
« ومن نافلة القول التأكيد على أن رعاية (المرفق العام) تأتي في طليعة اهتمامنا وما طوقنا الله به من رعاية مصالح شعبنا رعاية تضمن حقوق الفرد والجماعة، وتكفل للناس عيشة راضية كريمة . ولا يتأتى ذلك إلا بسمو الأخلاق واستقامتها ، وتقويم ما قد يطرأ من انحراف عليها … ومن هذا المنظور فإن أول واجبات المرفق العام أن يلتزم بالأخلاق الحميدة ، وأن يخدم المواطنين بالإخلاص الجدير بالشأن العام والمصلحة العليا على النحو الذي يقتضيه الاختيار الديمقراطي في دولة الحق والقانون » .
فأين نحن من كل هذا، بعد أكثر من خمس عشرة سنة على الدعوة إليه ؟
هل كان المغرب سيحتاج اليوم إلى تخصيص مبلغ هائل مقدر بــ 350 مليار سنتيم للتصدي لآفة الرشوة لو كان عندنا قضاء نزيه؟
أليس القضاء النزيه وحده كفيلا بمحاربة الرشوة في المرفق العام؟
ولكن ؛ كيف له أن يتصدى لها وهو نفسه يعاني من وجود من يَـتَـعَـتَّـش منها بداخله ؟
ولذلك، فكيف لمن داره آيلة للسقوط أن يحتج على رفض الغير مشاركته السكن فيها؟
إننا نعتز بقضاتنا الشرفاء النزهاء، المترفعين عن مغريات الدنيا، والصامدين أمام ضغوطات المحسوبية والزبونية ، سواء منهم القدماء الأماجد الذين اكتسبوا خبرة وحنكة عاليتين، وتميزوا بحكمة رشيدة قويمة، أو شبابهم المتطلع إلى مغرب تكون فيه كلمة العدالة النزيهة هي العليا، ويكون القانون الذي يحكمون به فوق الجميع،
وإننا لندرك أنهم واعون أكثر من غيرهم بأنهم هم المتضررون أكثر من غيرهم بما يُـقْـدِم عليه بعض المنتسبين إليهم من سلوكات لا تشرفهم، مما يوجب عليهم ـ في نظري ـ أن يكونوا هم السباقين إلى نبذ أمثال أولئك اللاهين العابثين بشرف المهنة وكرامة رجالها من صفوفهم ، والتبرئ منهم، وفضحهم ، ونشر أحكامهم المكشوفة التي لا وجه لها من عدالة، ولا علاقة لها بالحقيقة الواضحة الصريحة . وإنهم ليعرفون بعضهم البعض.
إن مسؤولية ما يعانيه قضاؤنا من خروقات ومحن تسئ إلى سمعته جميعا، فتأخذ في تيارها الجارفِ الصالحَ والطالحَ؛ هذه المسؤولية لا تقع على الهيئات القضائية وحدها ؛ بجمعياتها ونواديها؛ ولكنها تقع بنسبة أكبر على وزارة العدل والحريات التي لا تـتـتـبـع بشكل كاف ومُـرض أحكامَ وقرارات القضاة ، سواء منهم قضاة النيابة العامة أو قضاة التحقيق أو قضاة الأحكام ،، ولا تعمل بإحالة بعض الملفات، التي يبدو من ظاهرها وباطنها أنها لم تُـعامَـل بالنزاهة والحيادية المطلوبين، على لجنة قضائية رفيعة تنشئها وتختصها بهذه المهمة وحدها، لتنكب على دراسة تلك الملفات المشبوهة ومساءلة الذين قرروا في شأنها، إذا ما تبين لها أن لا وجه إطلاقا لتبرير ذلك الحكم الجائر أو القرار غير الناضج ..
كما انه كان من الممكن أن تُعطى لغرف محكمة النقض وقضاتها صلاحيةُ مكاتبة القضاة الذين أصدروا أحكاما ليس لها أي علاقة ، لا من قريب ولا من بعيد، بالواقع والقانون، فيبعث القاضي المقرر في النازلة المرفوعة لمحكمة النقض إلى القاضي المتطرف بكتاب يستفسره عن ذلك الحكم المفتقر للتجرد والتبصر المطلوبين، بناء على ما يتضمنه تعليله من مفارقة واضحة وصريحة للواقع والقانون، والذي لا تُـشـتـم منه أي رائحة لحكم اجتهد فيه صاحبه فأخطأ.. وإنما هو حكم أو قرار مفارق للنزاهة من كل وجه، اجتهد فيه صاحبه ليغطي عن الجور المكشوف المتعمد. وهو واقع لدي من بعض الأحكام ما يفيده بلا مبالغة.
فبمساءلة الوزارة للقضاة المصدرين لمثل تلك الأحكام ابتدائيا أو استئنافيا، ولو مساءلة لا تترتب عنها في المرة الأولى متابعة أو استدعاء؛ وبمكاتبة قضاة النقض للقضاة السادرين في خروقاتهم من أجل التحسيس والتنبيه؛ يمكن التخفيف من غلواء تلك الأحكام المفضوحة، والتقليل من نسبتها التي تشكل ضغطا كبيرا على أعمال قضاة محكمة النقض، حيث يهدرون أوقاتهم في ملفات، ما كانت تصلهم لو عرفت طريقها المستقيم عند معالجتها في مراحلها الابتدائية أو الاستئنافية ..
بالإضافة إلى ضرورة تفعيل الفصل المتعلق بالتحيز في القانون الجنائي بطريقة تضمن للمتظلم عدم التحيز ضده في تظلمه أو عند رفع دعواه.. فالخوف من تعاطف القاضي مع زميله المشتكى به هو الذي يجعل الناس يتجرعون الأحكام الجائرة الظالمة، دون أن يرفعوا في شأنها شكاية بالتحيز السافر الواضح .
فإذا تحقق شرط النزاهة في دعاوى التحيز، وأثبتت دراسة القضية بتجرد نزاهةَ الحكم، وانتفاءَ التحيز المدعَى ، فلتكن العقوبة على أشدها لمدعيه بسوء نية، ويكون الحكم بالتعويض المادي لفائدة القاضي المتضرر، في أقصاه، حتى ولو يُـخْـرَج مبلغه من ميزانية الدولة؛ عملا بروح المبدأ الشرعي : “من له الغنم عليه الغرم”، والذي يستقيم بعكس طرفيه، فتصبح صيغته في حالة نفي التحيز : ” من كان عليه الغرم، فله الغنم”؛
مع توقيع اعتذار كتابي من الوزارة للقاضي الذي أسئ استعمال هذا الفصل في حقه.
ولكن شرط توفر قضاء نزيه في قضايا الفصل بين مدعي التحيز والمدعى عليه يبقى ضروريا لتحقيق الفائدة المرجوة من هذا الإجراء؛ لحث القضاة على عدم التجرؤ على الجور السافر المكشوف.
ولا ريب أن هذا الطريق أسهل وأيسر بكثير من مطلب القاضية الجليلة، الغيور على سمعة القضاء وأنفة رجاله غيرة فاقت بها كل من تقدمها أو عاصرها من زملائها، الأستاذة زينب بنعمر التي دعت إلى قطع يد القاضي المرتشي، لأننا ـ كما قالت ـ « في ظروفنا الحالية ؛ القاضي المرتشي يجب أن يُـحكم عليه بقطع اليد، حتى يكون عبرة ؛ لأن إساءته عظيمة ولا تعاطف معه »
وإنها لإساءة عظيمة فعلا في حق الوطن، وفي حق الجسم القضائي، وفي حق الضحايا.
إن ما يدفعنا إلى التعبير عن هذه الانطباعات، التي نؤمن صادقين بأنها لا تنطبق إلا على نسبة قليلة من رجال القضاء ؛ ولكنها كما يقول المثل المغربي، كتلك السمكة النتنة التي تفسد حِـمْـلا بكامله، هو رغبـتُـنا الصادقة والملحة في أن نصبح نحن أيضا من الدول التي تضاهي الأمم بقضائها ، وتفتخر أمام العالم كله برجاله، وتعتز بسداد أحكامهم ونزاهتها، لأن أخشى ما نخشاه هو أن تصبح أحكام قضاتنا يوما ما، تنتهي صلاحيتها عند بوابة طنجة.. وساعتها؛ انظروا من هو الخاسر الحقيقي؟ هل الدولة والقضاء، أم المواطن الذي يفوض أمره إلى الله، ويتحمل محنة عابرة يعتبرها قدرا مقدرا عليه، يصبر عليها إلى أن يشاء الله ..
إن المغاربة أجمعين يدعون لكم أيها السادة القضاة المقسطون المحترمون بالتوفيق والسداد، وثقوا أننا نحبكم، ونتعاطف معكم، ونرى رأيكم في أن القاضي يجب أن تتوفر له كلُّ شروط الحياة الكريمة، وأن تعطاه الأسبقية في المرافق العمومية، وفي الامتيازات البنكية للحصول على مسكن لائق جدا، من المستوى الرفيع، وسيارة ممتازة توفرها له الدولة من ميزانية الوزارة، وأن يكون لهم في كل مدينة ناد خاص للترفيه والاستجمام، وأن يُـرَتَّـب لكل قاض عونٌ لقضاء حوائجه وضرورياته من السوق والمركبات التجارية، حتى لا يضطر إلى الاحتكاك بالمتقاضين الذين قد يجد بعضهم فرصته المناسبة لإغرائه أو تصيده بحركة قد تكون بدرت منه بعفوية أو لغير ما وظفت له كيدا أو بسوء نية.. أو ما إلى ذلك مما ينجم عن احتكاك القاضي اليومي بعامة الناس.
إلا أن عدم توفير هذه الحاجيات بكمالياتها للسادة القضاة المغاربة في الوقت الراهن، لا يشفع لهم في اقتناصها من طريق غير مشروع؛ لأن ذلك المواطن الذي يُـضَـحَّـى به لإدراكها، ليس هو المسؤول عن عدم توفيرها لهم ؛ ولذلك فليس من العدل ولا من الأخلاق أن يَـقـتص القاضي من المواطنين على ما أخلفته الدولة في حقه، وينالَ على حسابهم ما لم توفره له الدولة من ثراء ونعيم ، وعيش رغيد كريم .
كونوا واثقين أيها السادة القضاة المحترمون أن جل المواطنين الذين ذاقوا مرارة الظلم المتعمد على أيدي بعضكم، ورغم مرارة ذلك الظلم ، يتمنون صادقين لو أن القضاة يُـعـطون حق تحديد أجورهم بأنفسهم، حسب حاجيات كل قاض منهم ، كلٌّ يحدد أجره لنفسه بالمعروف، وبما يضمن له عيشة كريمة راضية، ويصون كبرياءه وكرامته.. حتى لا تبقى قضية المواطن المتقاضي بضاعة للمقايضة؛ فليس من المغاربة من يعارض أن تضمن الدولة للقاضي منزلا راقيا في ملكيته، وسيارة تناسب مقامه وتفي بتنقله رفقة أبنائه، وحسابا يكفيه مؤونة الحاجة، لكي لا يضطر إلى التنازل عن كرامته لقضاء أي حاجة من حوائجه، سواء أثناء ممارسته لعمله أو بعد تقاعده. ففي نظري أن القاضي الذي يُـفني حياته في إحقاق الحق، وردع المعتدين، وضمان الأمن والاستقرار للوطن والمجتمع؛ أولى بهذه الامتيازات من برلماني عابر يقضي أربع سنوات متغيبا، وإذا حضر نام، وإذا نطق نطق فحشا، وإذا صوت فمصلحـتُـه الخاصة أو الحزبية هي المعتبرة … فالقضاة أولى منه ألف مرة بتقاعد مريح، وبراتب سخي كريم ؛؛
ولكن بشرط : أن تتوفر فيهم الكفاءة المطلوبة، والنزاهة المثلى في أحكامهم، التي لا نطالب فيها بالحق؛ وإنما نطالب فيها بالعدل .. لأن الحق لا يعلم به إلا الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك قال في محكم كتابه العزيز : ((وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل )﴾ ، ولم يقل أن تحكموا بالحق.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
[email protected]
.




