أساليب العلماء في الكشف عن الموضوعات والتصدي لها

د. محمد ناجي

توطئة:
ما سأعرضه في هذه الجمعات الأربع إن شاء الله هو مقتطفات أنتزعها من فصول من الباب الأول من رسالتي المتواضعة التي ناقشتها سنة 2005؛ وكانت في موضوع : (ظاهرة الوضع في الشعر العربي) ، وقد جعلته من ثلاثة بواب:
الباب الأول من ثلاثة عشر فصلا حول منشأ الصلة بين الوضع في الشعر والوضع في الحديث ، مع تفحص لطرق الوُضَّاع ومناوراتهم في الوضع والتخفي، وأساليب العلماء في الكشف والتصدي للموضوع، تتخللها دراسة تحليلية لبعض الأحاديث التي بدأت صحيحة وانتهت مريبة ..
والباب الثاني في الوضع في الشعر والرواية الشعرية ، وهو من ثلاثة عشر فصلا.
والباب الثالث عبارة عن دراسة تطبيقية لشاعر كبير مفترى عليه، هو بشار بن برد الذي سحره وشوه صورته وحوله إلى شيطان مارد أكبر الرواة السحرة أبو الفرج الأصفهاني.
وقد كان هذا البحث ـ وما يكون إلا ما يشاء الله ـ فيما حضرت له نفسي من أزيد من عقد ونصف قبل المناقشة، يراد به أن يكون قسما من مشروع ثقافي كبير حول ظاهرة الوضع في الثقافة العربية، أتناول فيه الوضع في التاريخ وفي الأنساب وفي علوم الآلة وصولا إلى الوضع في التفسير الذي كان جُـماعا لكل هذه الأنواع من الوضع، فيكون مشروعا متكاملا يجمع كل العلوم الإنسانية العربية ، من أرَقِّـها وألطفها وهو الشعر ، إلى أمتنها وأحرصها على الصحة والدقة وهو علم تفسير القرآن الكريم .
وما كدت أنطلق في العمل، حتى صُب علينا جامُ ظلم قضائي زلزلني وأسرتي بما لو انهار علينا منزلنا في زلزال لكان أرأف بنا، وارحم لنا.
وذلك ما جعلني أتحول عن ذلك المشروع إلى دراسة القانون، بعد أن شعرت أنني في مواجهة غير متكافئة مع من هم رجال القانون، وشراحه والقائمون عليه، والحاكمون به والمنفذون لما يصدرونه من قرارات أو أحكام بناء عليه، أو لـيّـاً لرقبته ؛؛
وهذا على كل حال حديث يمزق القلب، لا داعي لتذكره في هذا الشهر المبارك، شهر القرآن والغفران ..
لقد اخترت لهذه الجمعة المباركة الأولى ، قسما من الفصل التاسع من الباب الأول، الذي يستعرض الحركية التي خلقتها ظاهرة الوضع ، بمحاسنها ومساوئها. فـــ
بتتبعنا لظاهرة الوضع خلال القرون الأولى للهجرة، نستطيع أن نزعم، أنها قد خلقت نشاطا فكريا وأدبيا واسعا، كان يطبعه افتقاره إلى الشرعية الدينية والأدبية، بتزويره للحقيقة العلمية والتاريخية، مما تولد عنه ظهور حركة علمية مشروعة لمناهضته، قوامها حماية الحقيقة والذود عنها. ومن ثم فقد تجاذب الثقافة الإسلامية والأدبية طرفان متناقضان متصادمان، كل واحد منهما يحاول أن يوجه هذه الثقافة في اتجاه معين: فالعلماء الثقات يعملون على صيانتها من الشوائب والدخيل والمكذوب، وغير الثقات، وهم خليط وأشتات، فيهم العالم، والمتواضع الثقافة، والأقرب إلى الأمية، ممن لم يكن لهم ـ في الغالب الأعم ـ أي تصور لما يجب أن تكون عليه هذه الثقافة، لأنهم لم يكونوا يتصرفون من موقف فكري تجاه الثقافة العربية أو الإسلامية ـ إلا ما كان من بعض الشعوبيين المتشددين ـ ؛ وإنما كانوا يتصرفون بحسب ما تمليه عليه أهواؤهم، أو ما تتطلبه ظروف ساعتهم الراهنة، إما تكسبا واسترزاقا، أو تقربا للسلطان ونفاقا، أو وعظا للناس وحظا، أو تزجية للوقت وعبثا… والعامل المشترك بينهم جميعا هو افتقارهم كلهم إلى الأمانة العلمية، والحس التاريخي؛ فكلهم كانوا لا يقيمون للحقيقة وزنا، ولا يعبؤون بما يمكن أن ينتج عن عبثهم وتلاعباتهم من نتائج تفسد الأدب والدين معا؛ إلا أنهم ـ في نفس الوقت ـ كانوا يدركون انهم يمارسون عملا غير مشروع، أو عملا مذموما عند العلماء والناس؛ بل عملا محرما دينيا وخلقيا، فكانوا يحاولون ان يُوَرُّوا عن ذلك العمل المستشنع البغيض، ويُغَشُّونه بما يوهم بمشروعيته وصحته، بالقدر الذي يحرص فيه العلماء الأثبات على إزاحة تلك الحجب والأستار عن تلك الأعمال، وفضحها والتشهير بأصحابها…
وهكذا يمكن أن نعتبر أن هذه الظاهرة قد ولدت حركةً فنية ومعرفية متخفية، توَلد عنها هي الأخرى نشاط نقدي تجريحي فاضح؛ إنها ـ إذن ـ : مناورة “الكشف والتخفي”، اشتعل أوارها في الحديث ليمتد منه إلى الشعر. وقد أسفر هذا النشاط المتأجج، المتعارض بين الطرفين عن نتائج اختلفت أهميتها وقيمتها في كل من العلمين :
فهي في علم الحديث انتهت إلى “وضع” يدعو إلى الاطمئنان، لأنها في معظمها كانت لفائدة المحدِّثين الذين استطاعوا أن يردوا مكايد المبطلين وألاعيبهم، كما عبر عن ذلك ابن الجوزي بقوله: » ولقد رد الله كيد هؤلاء الوضاعين والكذابين، بأخبار أخيارٍ فضحوهم وكشفوا قبائحهم، وما كذب أحد إلا افتُضح… فإن الباطل مظلم وعلى الحق نور«، وذلك ما يتجلى فعلا في مصنفاتهم العديدة الدائرة حول الأحاديث الموضوعة والضعيفة، ورواتها.
أما في الشعر؛ فقد ظلت تلك النتائج ـ بصفة عامة ـ محجبة مبهمة؛ حيث لا نعرف، ولا نستطيع أن نعرف كم أبطل العلماء من أشعار موضوعة، ولا كنهها، أو موضوعاتها..؛ فنحن إذا استثنينا ذلك القليل الذي بقي مما رواه ابن إسحاق، وتلك النصوص المتناثرة في بعض كتب الأخبار والأنساب والتاريخ، لا نستطيع أن نتحقق بالضبط، ولا حتى على وجه التقريب، من مبلغ ما كان يروج بين الناس من أشعار موضوعة على مدى العصور، من أيام الفتنة الكبرى ـ إن كانت عرفت أشعارا موضوعة كما كان الشأن بالنسبة للحديث ـ إلى عصور الجمع والتدوين وما بعدها من أحقاب. بينما يستطيع الباحث أن يتتبع الموضوعات في الحديث من بداية الدعوة الإسلامية إلى أيام الناس هذه. وهذه أولى نقاط تفَوُّق علم الحديث على علم الشعر في مجال توثيق نصوصهما.

أما النقطة الثانية، فهي أنه بالنظر إلى موقف كل من علماء الحديث والعلماء بالشعر من عموم الموضوعات؛ يمكن القول بأن أجلَّ ما يُحمَد لعلماء الحديث في هذا الباب، هو أنهم لم يسكتوا عن أي حديث تبيَّن لهم أنه موضوع على رسول الله، كيفما كان نوعه أو مضمونه وغايته؛ لا يفرقون في ذلك بين حديث نبيل القصد، داع إلى الخير والصلاح، وحاثٍّ على مكارم الأخلاق،، وبين حديث خبيث أريد به تضليل الناس، أو تشتيت شمل الأمة، أو الطعن من وراء ظهر في مبادئها وقيمها، فكلاهما عند علماء الحديث سواء، متى ثبت أنهما موضوعان، حيث ينزلانهما كليهما منزلةً واحدة، هي شر منازل الحديث، وأحط مراتبه… إلا ما كان من بعض المحدّثين “المذهبيين المتعصبين” ممن كانوا يسكتون عن الأحاديث المصنوعة التي توافق أهواءهم؛ ولكنهم سريعا ما يُكشفون؛ يكشفهم المنقحون الأثبات، الذين أخضعوا كل الأحاديث ذات النزعة المذهبية للنقد والتمحيص. يقول ابن الجوزي في كتابه “التحقيق في أحاديث الخلاف: »وألوَمُ عندي ممن قد لُمتُه من الفقهاء: جماعة من كبار المحدثين، عرفوا صحيح النقل وسقيمه، وصنفوا في ذلك. فإذا جاء حديث ضعيف يخالف مذهبهم بيَّنوا وجه الطعن فيه، وإن كان موافقا لمذهبهم، سكتوا عن الطعن فيه. وهذا ينبئ عن قلة دين وغَلَبة هوى. أخبرنا… قال (عبد الله بن محمد): سمعت وكيعا يقول: “أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم”. وهذا حين شروعنا فيما انتدبنا له من ذكر الأحاديث، معرضين عن العصبية التي نعتقدها في مثل هذا حراما«

أما في الشعر فقد كان العلماء به “يسكتون” أحيانا على بعض الشعر، أو النثر “الموضوع”، وهم يعرفون أنه موضوع؛ وذلك بدافع عقدي، حيث لا يرون غضاضة في السكوت عن هذه النصوص، ما دامت في مدح الرسول، أو في خدمة الإسلام، دون أن يؤاخذهم على ذلك أحد، أو يجرحهم به. أذكر من ذلك أبياتا منسوبة إلى الأعشى، في مدح الرسول عليه السلام . ومنه كثير من الشعر المنسوب لأبي طالب، وخاصة القصيدة المنسوبة إليه في “تمزيق الصحيفة” ، التي لم يعلق عليها ابن هشام، والوضع بيَّن فيها، ومما سكتوا عنه أيضا تلك الخطبة العصماء المنسوبة إلى جعفر بن أبي طالب، والتي قيل إنه ألقاها بين يدي النجاشي، ملك الحبشة، أثناء إقامة المسلمين بها في هجرتهم الأولى …إلى غير ذلك من النصوص المسكوت عنها، لسبب أو لآخر!

أما النقطة الثالثة التي تفوق فيها أصحاب الحديث في تعقبهم للموضوعات، على نظرائهم من العلماء بالشعر؛ فتتمثل في كون المحدّثين استطاعوا أن يتحروا كثيرا من الأساليب التي كان ينتهجها الوضاعون في وضعهم ، فكشفوا عنها، ونبهوا إليها. وقد كان للمحدثين ـ بطبيعة الحال ـ وسائلهم التي اعتمدوها لنقض تلك الأساليب، ودرء خطرها على الناس. بينما لا نجد عند العلماء بالشعر ما يقرِّبُنا من تلك الأساليب التي كان ينتهجها الوضاعون في الشعر، فيما كانوا يضعون من أشعار ينسبونها إلى القدماء، ولا حتى الأغراض التي استقطبت أكبر نسبة من ذلك الشعر الموضوع… فكل ما زودونا به في هذا المجال هو أسماء بعض القبائل التي كانت عرضة للوضع، إما لأن أشعارها فيها لين، كقريش، التي تُشكِل أشعارها بعض الإشكال، أو عبد القيس التي زعموا أن خلفا وضع عليها شعرا كثيرا، دون أن يحددوا ما يصح لهم وما وضع عليهم؛ بل إن من الرواة من يزعم أن كل الشعر المنسوب لهذه القبيلة هو من وضع خلف، وكأن هذه القبيلة العريقة في عروبتها وجاهليتها لم ينبغ فيها شاعر على مدى تاريخها الجاهلي، ولا عللوا السبب الذي حمل خلفا على اختيار قبيلة قيس بالضبط لتكون المستهدفة بموضوعاته، وما إذا كان يريد بها من وراء ذلك خيرا، فهو ينحلها من الشعر أجوده ليتضخم ديوانها وينمو، فتضاهي به القبائل الأخرى، أم أنه كان يريد بها غير ذلك، فهو يضع عليها عبثا ولهوا… إلى ما هنالك من الأسئلة التي تطرحها مثل هذه الأخبار الجارحة المتهِمة.
هذه باختصار أهم النقط التي استأثر علماء الحديث فيها بالامتياز والتفرد أحيانا ، نتيجة الصرامة التي تعاملوا بها في استخدامهم لمنهجهم التوثيقي، ونتيجة الإغناء المستمر لمقومات هذا المنهج وأركانه.

أما بالنسبة للوسائل التي اعتمدها العلماء النقاد في التصدي للوضاعين والكشف عن أساليبهم، فإن أول ما يجب أن يُذكر ، هو دور الوضاعين أنفسهم في إيجادها وانتهاجها؛ إذ لولاهم لما كان لهذا المنهج أن يكون، ولا لهذا العلم أن يستقل به دون غيره من سائر العلوم.
لقد كان لتنوع أساليب الوضاعين في وضعهم على النبي، وتلونها، من استغلال “للأسانيد”، وتقليد لعبارات الرسول وصيغه التي ابتدعها، أو عباراته الخاصة به، وإتيانهم بمعاني توهم بتوخيها سبيل الخير، وحثها على الفضيلة، ثم تماديهم في بعض المجازفات في الثواب العظيم على العمل البسيط، وركوبهم طرقا شيطانية لتمرير تلك الأحاديث وتجويزها على الرواة، بمن فيهم بعض العلماء، قصد إذاعتها بين الناس… كل ذلك حمل العلماء النقدة من الجهابذة المنقحين، على تنويع أساليبهم وطرقهم، هم أيضا، في سبيل الكشف عن تلك الموضوعات، والحد من رواجها بين عامة الناس وخاصتهم، سواء على مستوى الأسانيد أم على مستوى المتون؛ فرصدوا لكل نوع من أنواع التزييف الأسلوب الذي يناسبه؛ وإن كان لاعتمادهم على دراسة الأسانيد ونقدها اليد الطولى في هذا الباب؛ خاصة عند المتقدمين.
صحيح أن علماء الحديث قد امتازوا بمنهج توثيقي كبير الفعالية، كثير الجدوى؛ فكان هذا المنهج ـ على العموم ـ هو معتَمَدهم في تصديهم للموضوعات وأصحابها؛ إلا أنهم لم يقفوا به عند حد معين، أو حصروه في مجموعة من النقط لم يتجاوزوها؛ بل إننا بالتتبع نجد أنهم كانوا يوسعونه شيئا فشيئا عبر العصور، كلٌّ حسب اجتهاده وطريقته في النقد والتجريح. فقد كان الإسناد أول وأهم عنصر في هذا المنهج التوثيقي، واستمروا عليه في مصنفاتهم الأولى، التي قامت بالأساس على الأحاديث المسندة إسنادا صحيحا، أو موثوقا برجاله، ثم طوروه بتصنيف الأحاديث لا بناء على موضوعاتها ، بل بحسب من أسندت إليهم، أو إن شئت قل: تصنيف طبقات الرواة، وضم كل ما روي عنهم إليهم، فخرجوا من ذلك بمؤلفات عرفت عندهم بالمسانيد ، تهتم بالخصوص بالمسند إليهم، ليُعرف ما أُسند لكل صحابي من أحاديث ، مع ذكر سلاسل الرواة الذين مر عبرها ذلك الحديث إلى زمن المؤلِّف،، مثل مسند الطياليسي (متوفى 204) وهو من أقدمها ظهورا، ومسند إسحاق بن راهويه (م238) ، ومسند أحمد (م241) …
فلما انتبه الوضاعون إلى صرامة هذا النقد الإسنادي، ونجاعته في الكشف عن أباطيلهم؛ أخذوا يركبونه هم أيضا فيما يضعون على الرسول، وأخذوا يتلاعبون بتلك الأسانيد بطرق مضادة ابتدعوها وأساليب موازية اختلقوها (انظر الفص 8 من الباب) ؛ فأصبح “النقد السندي” وحده غير قادر على توثيق أو تكذيب ما يُروى من أحاديث مما ليس في كتب الصحاح، بل أخذ ذلك النقد يتراجع قليلا عن تحقيق تلك النتائج الباهرة التي استطاع أن يحققها في عهوده الأولى، بدليل أن كثيرا من الأحاديث ثبت أنها موضوعة، مع أن أسانيدها صحيحة، أو تتركب من رجال ثقات؛ وأن بعض العلماء اعتقدوا بصحتها، فرووها مع ما كانوا يروونه من صحيح الحديث، وكان من نتائج هذا أن بدأ الاختلاف يدب بين العلماء حول صحة بعض الأحاديث، فمنهم من يوثقها، بناء على صحة سندها؛ أو يجعلها في مرتبة الحديث الحسن، بينما ترى طائفةٌ أخرى أنها موضوعة، أو ضعيفة في أحسن الأحوال. ثم بدأت تظهر في الحديث الواحد طرق متعددة متباينة؛ فقد يظهر الحديث بطريق واه أو ضعيف، ثم يأتي عالم آخر فيبرز للحديث طريقا آخر صحيحا أو حسنا؛ مما يجعل الحديث الواحد موضوعا وصحيحا في نفس الوقت: موضوعاً حسب الطريق الأول، وصحيحا حسب الطريق الثاني. وهذا ـ بدون شك ـ من شأنه أن يحدث بلبلة؛ ليس فقط لدى القراء البسطاء العاديين، الذين يريدون أن يتمسكوا بالسنة، ويعملوا بأوامرها وتوجيهاتها؛ ولكن أيضا حتى بالنسبة للعلماء من فقهاء ومحدثين وأصوليين وغيرهم ممن لا ستطيعون أن يتثبتوا مما إذا كان هذا الحديث يصلح للاحتجاج به وقد ضعفه من ضعفه، أو رماه بالوضع من رماه،، أم لا يصلح حجة، وقد حسنه أو صححه من حسنه أو صححه. ومن ثم، فقد أصبح من اللازم المحتم على العلماء الاستعانةُ بعنصر أو عناصر أخرى للاستوثاق من صحة الحديث أو بطلانه؛ أو على الأقل لتنزيله المنزلة التي تلائمه.. فبدأت تظهر الاجتهادات؛ منها ما كان فرديا، ومنها ما كان جماعيا، تبناه معظم المحدّثين الموثقين، حتى صار الأمر إلى إلى ابن قيم الجوزية الذي كاد أن يستغني في كتابه “المنار المنيف” عن نقد السند، مكتفيا فقط بنقد المتن؛ فكان يعرض للحديث الموضوع، ويبسط بين يديه من الأدلة المختلفة ما يشفي غليل الباحث الموثق، ويجعله يطمئن إلى فساد ذلك الحديث؛؛ وهي أدلة كان يعتمد فيها على كل الأوجه المتاحة والمناسبة للبرهنة على بطلان الحديث، من أدلة نقلية، إلى أخرى عقلية أو منطقية، إلى تاريخية، إلى أدلة حدسية يستنبطها المحدث من طول معاشرته لكلام رسول الله وسنته الصحيحة الثابتة…
وهو منهج قد استفاد في كثير من عناصره ممن سبقه من العلماء الرواة، الذي كان منهم من تخصص في جمع الموضوعات في كتب مستقلة ، حتى لا تحشر مع الصحيح فتشوش عليه أو على طلاب العلم بتداخل أسانيدها بعضها ببعض، وتشابه ألفاظها بعضها ببعض أيضا ؛ وكان من أظهر كتب الموضوعات وأشهرها كتاب “الموضوعات” لأبي الفرج ابن الجوزي ؛ الذي رصد فيه مآت الأحاديث الموضوعة ، حيث يستدل على وضع الحديث من خلال متنه، حتى ولو كان كل رجاله من الثقات، كما في تعليقه عن بعض أحاديث صلوات أيام الأسبوع :
»هذا حديث موضوع بلا شك. وقد كنت أتهم الحسين بن إبراهيم. والآن فقد زال الشك، لأن الإسناد كلهم ثقات، وإنما هو الذي وضع هذا وعمل هذه الصلوات كلَّها، وقد ذكر صلاة ليلة الثلاثاء ، ويوم الثلاثاء، وصلاة ليلة الأربعاء ويوم الأربعاء… وكل ذلك من هذا الجنس الذي تقدم، فأضربت عن ذكره؛ إذ لا فائدة في تضييع الزمان بما لا يخفى وضعه. ولقد كان لهذا الرجل حظ من علم الحديث، فسبحان من يطمس القلوب!!«
وإجمالا يمكن القول بأن علماء الحديث استطاعوا أن يُعِدوا لكل حرب من أولئك الوضاعين عدتها المناسبة، وأن يواجهوا كل خدعة بكاشف يفضح أمرها؛ بدءاً من نقد الأسانيد، إلى الجمع بين نقد المتن والسند، وصولا إلى نقد المتن في ذاته دون الاستعانة بعنصر آخر خارجي.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني