د. محمد ناجي
لقد أجاز كثير من المحدثين رواية الحديث بالمعنى، وهو إجراء فيه تساهل من قبل رواة الحديث ؛ ليس له من مبرر سوى حرصهم الشديد على ألا يُضّـيِّعوا شيئا من ذلك التراث القيم الذي صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بحيث إذا لم يكن ممكنا حفظه كله، وعلى حالته الأصلية، فلا أقل من أن يحفظوا مضمونه، ولو على وجه قريب من الصحة. جاء في كتاب الجامع لمعمر بن راشد الأزدي (المتوفى سنة 151): » أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: “كنت أسمع الحديث من عشرة، كلهم يختلف في اللفظ والمعنى واحد”«
غير أن العلماء لم يبيحوا هذا الإجراء لكل من أراد أن يُـعـدِّل في عبارة حديثية سمعها بوجه، فهو يرويها بوجه آخر؛ ذلك أن تغيير كلمة بأخرى هو نوع من الوضع، أو من الكذب، ولذلك فقد ألزموا من لم يكن متأكدا من الكلمة ذاتها التي فاه بها الرسول عليه السلام أن يشفع روايته بما يفيد عدم تيقنه من الكلمة أو من العبارة المنطوق بها »بأن يقول: “أو كما قال”، “أو نحو هذا” وما أشبه ذلك من الألفاظ. روي ذلك من الصحابة عن ابن مسعود وأبي الدرداء وأنس رضي الله عنهم. قال الخطيب: ” والصحابة أرباب اللسان وأعلم الخلق بمعاني الكلام ، ولم يكونوا يقولون ذلك إلا تخوفا من الزلل لمعرفتهم بما في الرواية على المعنى من الخطر«. وبهذا الاعتبار فعلماء الحديث إنما أجازوا رواية الحديث بالمعنى لمن توافرت فيه شروط هذه الرواية من المحدثين. يقول ابن الصلاح: »إذا أراد روايةَ ما سمعه على معناه دون لفظه؛ فإن لم يكن عارفا بالألفاظ ومقاصدها، خبيرا بما يحيل معانيها، بصيرا بمقادير التفاوت بينها، فلا خلاف أنه لا يجوز له ذلك، وعليه ألا يروي ما سمعه إلا على اللفظ الذي سمعه من غير تغيير. فأما إذا كان عالما عارفا بذلك، فهذا مما اخـتَـلَف فيه السلف وأصحاب الحديث وأرباب الفقه والأصول، فجوزه أكثرهم، ولم يجوزه بعض المحَدِّثين وطائفة من الفقهاء والأصوليين من الشافعيين وغيرهم، ومنعه بعضهم.
والأصح جواز ذلك في الجميع، إذا كان عالما بما وصفناه، قاطعا بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه، لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف الأولين، وكثيرا ما كانوا ينقلون معنى واحدا في أمر واحد بألفاظ مختلفة، وما ذلك إلا لأن مُـعَــوَّلهم كان على المعنى دون اللفظ«.
وهذا الاختلاف بين العلماء في جواز رواية الحديث بالمعنى، أو عدم جوازه، وإن لم يكن اختلافا قويا مؤثرا على رواية الحديث؛ إلا أنه يطرح قضية توثيقية في شأن حديث ورد في هذا الباب، وهو حديث »ذكره ابن منده في كتابه ( معرفة الصحابة) ، ولفظه : “قلت : يا رسول الله ! إني أسمع منك الحديث، لا أستطيع أن أرويه كما أسمع منك، يزيد حرفا أو ينقص حرفا. فقال عليه السلام : إذا لم تُحِلوا حراما، ولم تحرموا حلالا، وأصبتم المعنى فلا بأس«.
فإذا كان هذا الحديث صحيحا بالفعل، فلا مجال ـ في نظري ـ للاختلاف ، ما دام صاحبُ الكلام نفسُه قد رخص للناس رواية كلامه بالمعنى، ومن ثم يكون المتشددون من أصحاب الرواية باللفظ، مسرفين في منعهم ما أباحه النبي؛ إلا إذا كانوا لا يرون بصحة الحديث، أو بأنه لم يبلغ درجة الحديث المحتج به، أو كان لهم فَـهـمٌ آخـرُ لم يُـبـيِّـنوه، كما فعل البلقيني في تعقيبه: »ليس في ذلك النقل عن هؤلاء ، أنهم جوزوا نقل الحديث بالمعنى كما فهمه بعض من لا يصح فهمه« ، دون أن يبين الفهم الصحيح الذي يراه.
إلا أن المرجح عندي أنه من كلام الزهري ، فقد » أسند عن أبي أويس قال: سألنا الزهري عن التقديم والتأخير في الحديث، فقال: إن هذا يجوز في القرآن، فكيف به في الحديث؟! إذا أصبت معنى الحديث، فلم تحل به حراما ولم تحرم به حلالا، فلا بأس… وأسند عن وكيع قال: إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس« .
من هذا يتبين أن علماء الحديث حرصوا على حفظ المعنى، حتى ولو كان حساب اللفظ؛ وهم في ذلك لم يتجاوزوا الصواب، لأن المقصود من حديث الرسول يكون بالدرجة الأولى “إفادة معنى”؛ وما يأتي بعد ذلك إنما هو من زيادة الخير: فالحديث نصٌّ تشريعيٌّ في معظمه، وما جاء منه مصوغا بعبارات بيانية رائعة، أو بأسلوب بليغ فائق؛ فإن ذلك لم يكن هو المقصود منه، وإنما هو فضلة محمودة زائدة على فضائل ذلك الحديث المعنوية.. علما بأن كثيرا من تلك الأحاديث البليغة قد حُـفِـظـت بلفظها، بسبب من تلك البلاغة التي أعجب بها العربي عند سماعها؛ فحفظها انسياقا مع طبيعته في تذوق الأساليب البيانية الرائعة. أما سائر الأحاديث النبوية، فهي توجيهية، أو تشريعية، أو تعليمية، أو إخبارية… وفي هذه كلها إنما تكون العبرة بالمعنى، لا باللفظ؛ فمتى كانت العبارة تفيد نفس المعنى المقصود من عبارة الأصل؛ فإن الفائدة تبقى حاصلة، والهدف المرجو من الحديث يبقى متحققا. ومن ثم، فإن تغيير كلمة بأخرى في الحديث النبوي، وفقا للشروط التي شُرطت في ذلك، لا يكون له تأثير كبير على الحديث المروي، ولا يَضُرُّ به، خاصة إذا كانت الكلمة المدرَجَة لها نفس حمولة الكلمة المبدَلة، وبُـعـدُها الدلالي، مع مراعاة ألا تكون نشازا في لغة الحديث وأسلوبه؛ بحيث لا تحط من مستواه البياني المعهود في كلام الرسول. ولعل هذا هو الذي ذهب إليه ابن الصلاح بقوله في النص السابق: «بصيرا بمقادير التفاوت بينها» (يعني بين الألفاظ) ؛ وإلا فسيكون قد ألغى من شروطه الجانب البلاغي في الكلمة، وركز فقط على الجانب الدلالي، مع ما للجانب البلاغي من قيمة عظيمة في كلام الرسول عليه السلام. ومثال ذلك الحديث المشهور: » إن هذا العلم دين؛ فلينظر أحدكم ممن يأخذ دينه«، فقد ورد بهذه الرواية بالسند المرفوع إلى أنس بن مالك، كما ورد برواية أخرى مقاربة جدا عن أبي هريرة قال: »إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه«، ثم هناك رواية ثالثة لا تبعد عن هذين بشيء، عن ابن عون عن محمد قال: »إن هذا العلم دين فانظروا ممن تأخذون دينكم« ، فهي روايات لا تبتعد عن بعضها في شيء، وكلها تؤدى المعنى المقصود نفسه، بنفس الدرجة من الإبانة والوضوح، لأن رواته جميعا، من العرب، أصحاب اللغة، المفطورين عليها، المميزين بين دقائق الفروق في معاني ألفاظها، من كلمات وحروف، وبسبب من ذلك فقد اتسع هذا عند العلماء ، كما صرح به الترمذي: » فأما من أقام الإسناد وحفظه، وغـيّـر اللفظ، فإن هذا واسع عند أهل العلم، إذا لم يتغير المعنى«
ولا شك أن رواية الحديث بالمعنى ينتج عنها تعدد الروايات للحديث الواحد، لاختلاف أساليب الناس، وطاقاتهم العقلية في الاستيعاب والتذكر، وهو ما يفهم من كلام ابن سيرين قال: «كنت أسمع الحديث من عشرة، كلهم يختلف في اللفظ والمعنى واحد« ؛ بل إن سفيان الثوري قد أقر للناس علانية انه لا يروي ما سمعه كما سمعه، وإنما هو يرويه بالمعنى: »قال زيد بن الحباب: سمعت سفيان يقول: “إن قلت إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني”« ؛ ؛ فإذا كان الراوية لا يروي ما سمعه كما سمعه، فهو إذن يرويه “كما فهمه”، وقد كان الرواة لا يجدون حرجا في هذا ؛ بل ويرون أنهم إن فعلوا، فقد أفادوا؛ » حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن مكحول عن واثلة بن الأسقع قال: إذا حدثناكم على المعنى فحسبكم« ؛ ولذلك فقد كانت تختلف رواية الواحد منهم بين يومه وغده؛ فقد يوري اليوم حديثا برواية، ثم يأتي في الغد ويروي نفس الحديث برواية أخرى؛ ومن ثَم فقد كانوا ينصحون مُـتـلـقيـهم بالأخذ بالسماع الأول »… عن عاصم الأحول قال: قلت لأبي عثمان النهدي: “إنك تحدثنا بالحديث، ثم تحدثنا به على غير ما حدثتنا!؟” ـ قال: “عليك بالسماع الأول”«،، و»… عن ابن عون قال: كان الحسن والنخعي والشعبي يحدثون بالحديث مرة هكذا ومرة هكذا.. « .
وهذا ما يؤدي بطبيعة الحال إلى بعض الاختلافات الجوهرية في نصوص بعض الأحاديث، أقربها إلى ذهني الحديث المتواتر: ” من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار” الذي وردت فيه عدة روايات، يؤكد الزبير بن العوام في إحداها ، بأسلوب القسم، أن الرسول لم يقل “متعمدا”. والفرق كبير بين مطلق الكذب، ولو لم يكن مقصودا إليه، وبين تعمد الكذب.
لذلك فلا جرم أن يؤدي هذا التعدد في الروايات، ببعض الأحاديث إلى الاضطراب أحيانا؛ بل قد بلغ بواحد منها إلى أن غدا منكرا: » أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي… عن ابن مسعود أنه كان يقول: “أربع من الجفاء: أن يبول الرجل قائما، وصلاة الرجل والناس يمرون بين يديه وليس بين يديه شيء يستره، ومسح الرجل التراب عن وجهه وهو في صلاته، وأن يسمع المؤذن فلا يجيبه في قوله”… ورواه سعيد بن عبيد الله بن زياد عن… عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه ؛ إلا أنه قال: “والنفخ في الصلاة” بدل “المرور” ، ولم يقل: “أربع”. قال البخاري: هذا حديث منكر، يضطربون فيه« .
هذا في الحديث. أما في الشعر، فقد كان من المتوقع ألا يكون مثل هذا مقبولا لدى رواته، بالنظر إلى طبيعة الشعر التي تختلف عن طبيعة النثر، لما للشعر من خصوصيات أسلوبية، كثيرا ما تكون هي العنصر الأجود فيه؛ كالصنف الذي ذكره ابن قتيبة مما »حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فـتَّـشـتَـه لم تجد هناك فائدة في المعنى«، باعتبار أن الهدف من الشعر يختلف اختلافا كبيرا عن الهدف من الحديث النبوي،، ثم لما يكون لكل شاعر من أسلوب خاص يتميز به عن غيره.
إنه بالإضافة إلى ما ذُكر من شروط في قبول رواية الحديث بالمعنى، يَلزَم في الشعر أن يكون للكلمة المدرجة، نفسُ الإيقاع ونفس الوزن اللذين كانا للكلمة المبدَلة، وهي الكلمة الضائعة أو المنسية؛ بل وأحيانا قد يُـتـطـلـب أن يكون لها نفس الموسيقى التي للكلمة الأصلية. وهذه أشياء يستعصي إيجادها بنفس المواصفات في كلمتين، مهما بلغ الترادف فيهما مداه، مما يجعل الإضرار بالشعر أمرا لا مفر منه في أي إبدال لكلمة بأخرى في معناها. وهذا ما كان يدركه ذو الرمة، ويخشى على شعره منه، فقال لعيسى بن عمر: «اكتب شعري، فالكتاب أعجب إلي من الحفظ؛ إن الأعرابي لينسى الكلمة قد سهرت في طلبها ليلة ، فيضع موضعها كلمة في وزنها لا تساويها؛ والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلاما بكلام«
ولذلك فإذا لم يضبط المستمع الكلمة التي سمعها بالذات، فإنه قد يضطر إلى إدخال تعديل على البيت كله، ولو أن ذلك التعديل لا يؤثر على البيت من حيث المعنى : من ذلك مثلا: بيت صريع الغواني، الذي رواه ابن قتيبة هكذا:
يا نَظَـرا نلتُــه على حَذرٍ
أوَّلُــه كان آخـرَ النــظـر
بينما روايته في الديوان :
“يانظرةً نلتُها … أولُها..”
فهو تغيير بسيط جدا، إذ لا فرق في هذا المقام بين “النظر”، و”النظرة” ما دام كلاهما آخر “نظر” أو آخر “نظرة” . لكن غياب التعبير الحقيقي الذي استعمله الشاعر، مع بقاء المعنى عالقا بذهن الراوي، وانتقاله من النظر إلى النظرة أو العكس، ألجأه إلى تحويل كل ضمائر البيت من المذكر إلى المؤنث، مع ما استتبع ذلك من ضرورة إلغاء زحاف التفعيلة الأولى، وتعويض الإشباع بالساكن الثابت في باقي التفعيلات.
وقد يُحدث الراوي تغييرا في البيت أبسط من هذا، وأدنى إلى عدم الشعور به، أو التـنـبُّـه إليه في الإنشاد؛ بحيث لا يتجاوز الحرفَ الواحد في البيت، فلا يؤثر على معنى البيت؛ غير أن تأثيره قد يكون أبعد من ذلك؛ قد يكون له تأثير في عمل المؤرخ الأدبي الذي يهتم بالترجمة للشاعر، ودراسة سيرته الأدبية، ومعرفة الأشخاص الذين مدحهم أو هجاهم، أو مدحهم وهجاهم .. إلى غير ذلك من الأمور التي يحتاج المؤرخ الأدبي إليها في إلمامه بشعر الشاعر، وتتبع حياته الشعرية، مما يجعل هذا المؤرخ مضطرا لترجيح إحدى الروايتين المختلفتين في الحرف الواحد، إلى مراجعة شاملة لشعر الشاعر، وتتبع قصائده تتبعا تاريخيا، حتى يتمكن من الوقوف على الحرف الحقيقي الذي استعمله الشاعر، ومثل هذا في ديواننا العربي ليس بالقليل أو النادر، أكتفي بالتمثيل له بالاختلاف البسيط جدا، الوارد في بيت ربيعة الرقي، في أبيات قالها في هجاء العباس بن محمد :
فأنتَ المرءُ ليـس له وفـــاءٌ
كأني إذ مدحتك قد زنَـيْــتُ
نجد له رواية أخرى في عجزه:
“كأني إن مدحتك قد زنيت”
وحتى نعرف ما إذا كانت الرواية الأصح هي: “إذ” أو : “إنْ”، فنحن محتاجون للاطلاع على كل شعر الشاعر، لنرى ما إذا كان قد سبق له أن مدح هذا الرجل قبل هذا الشعر، أم لم يسبق له ذلك:
فإن كان قد مدحه، ثم ندم على مدحه إياه، حتى إنه ليشعر بالخزي جراء ذلك ؛ فالرواية هي: “إذ” ، لأنها تفيد تحقق الفعل في الماضي.
أما إذا لم يكن قد سبق له أن مدحه، وربما يكون قد طُلبَ منه ذلك، فتأفف، لسبب من الأسباب يتعلق بأخلاق الممدوح، أو ببعض صفاته أو غير ذلك، فالرواية هي: “إن” ، لأنها شرطية تدل على المستقبل، ولا تفيد تحقق الفعل؛ وإنما تفيد أنه إن فعل (أي إن مدحه) فسيكون كمن زنى.
هذا إذا كانت الكلمة في حشو البيت. أما إذا كانت في قافيته، فإن الأمر يزداد تـعَـوُّصا، لأنه بالإضافة إلى ما ذكر، يجب مراعاة ما يعرف بلوازم القافية، والمحافظة عليها ، بالوجه الذي كانت عليه في الأصل، لأنه إذا اختل واحد منها، اختل البيت كله … من ذلك مثلا البيت الذي رواه الجاحظ لطفيل الغنوي:
تبِيتُ كعِقبان الشُّرَيف رجالُه
إذا ما نَـوَوْا إحداثَ أمر تَـعـطَّـفـوا
وهي رواية محرفة ، ويتجلى تحريفها في مخالفتها لضرب البيت ورويه، الذي هو في أصله من قصيدة بائية، فصار عند الجاحظ فاء. والرواية الصحيحة للبيت، كما في الديوان هي:
… … … إذا ما نووا إحداث أمر مُعْطب
ومن الشواهد المحرفة أيضا، الشاهد الخامس عشر بعد الأربعمائة، في خزانة البغدادي:
وإني لَــراجٍ نظـرةً قِـبَــلَ التي
لَعلِّي وإن شَطَّت نواها أزورها
بينما البيت من قصيدة لامية في ديوان الفرزدق، روايته:
وإني لــرامٍ رَميـةً قِــبـَل التي
لعــلَّ، وإن شَـقَّت عليَّ ، أنالـــُها
ومن أشهر الأبيات المحرفة روايتها، بيت عمر بن أبي ربيعة:
إذا جئت فامنح طرفك غيرنا
لكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظر
وهو من رائيته الذائعة: ” أمِن آل نعم …” ، ومع ذلك فإن شهرتها لم تصنها من تحريف بيتها المذكور؛ حيث رواه ثعلب في مجالسه :
وطرفَك إما جئتَنا فاحفـظَـنَّـه
كما يحسبوا أن الهوى حيث تَصرِف
وهي رواية محرفة بلا شك ، وإن حاولت أن تحافظ على المعنى، ويتجلى تحريفها في مخالفتها لضرب البيت ورويه الذي تحول من حرف الراء إلى حرف الفاء.
زد على هذا ما يتميز به كل شاعر من معجم خاص، يزداد خصوصية وتميزا، كلما ازداد الشاعر تمرسا وإبداعا، مما يجعله يختار كلمة هي بالذات التي توافق نفسيته ومرماه… يختارها من بين كل الكلمات المرادفة لها، أو القريبة من معناها في اللغة ، كما أشار إلى ذلك ذو الرمة في خبر سابق . كما أن لكل شاعر أسلوبه الخاص الذي يميزه، بحيث كثيرا ما يكون هو العلامة الفارقة بين شعره وبين شعر غيره، وقد عبر عن ذلك كثير من الشعراء، وأدركه كثير من الرواة والعلماء بالشعر.
بناء على كل هذا فقد كان من المتوقع ألا يقبل العلماء بالشعر روايته بالمعنى؛ غير أن واقع شعرنا القديم فرض عليهم القبول بهذا الأمر، نظرا لما تعرفه نصوصنا الشعرية من اختلاف في الروايات، بلغت درجة كبيرة من الاتساع والانتشار، حتى إن الأمر لم يقف عند حدود الشعر الجاهلي، بل تجاوزه إلى الشعر الإسلامي المعاصر لعصر الجمع والتدوين؛ بل والمنسوب إلى شعراء مشهورين كان شعرهم ذائعا منتشرا في زمانهم وبعده.
وإذا كنا نعتبر أن الشاعر لم ينطق بالبيت إلا على وجه واحد، فستكون الأوجه الأخرى مما حُمل عليه، لأنه لم يقلها، ولكن الرواة مع ذلك لم يأخذوا اختلاف الروايات على أنها من المحمول على الشاعر، لعدة أسباب؛ منها أن كثيرا من الروايات تتساوى في درجة أدائها للمعنى المراد، وقد كان هذا في كثير من الأحيان هو مناط اهتمام أولئك العلماء، وذلك ما يجعل من المستعصي الإقرار بأن هذه الرواية أو تلك هي الأصح؛ خاصة إذا كان مدلول العبارة من المعاني العامة التي تتساوى فيها مختلف الروايات، كما في قول حُـجْـر بن خالد بن مرثد :
سمعتُ بفعل الفاعلين فلم أجد
كفعل أبي قابوسَ حـزما ونـائـلا
يُساق الغمامُ الغـرُّ في كل بلـدة
إليكَ فأضحى حول بيتك نازلا
يقول المحقق في هامش هذا البيت : »في صدر هذا البيت روايات كثيرة، فيروى: “فساق إلهي الغيثَ” ، و “فسيق إليه الغيثُ” ، و “فساق الإله الغيث” ، و “فسيق الغمام الغُـرُّ” ، وهي صورة تطلعك على ما تفعل الرواية، وكل هذا دعاء له«.
أما إذا كان الاختلاف في العبارات ذات الدلالات المعنوية الخاصة أو المبتكرة، أو كان في كلمة ذات شحنة نفسية وعاطفية مرتبطة بحالة الشاعر ومزاجه، فعند ذلك يصبح من العصيِّ الإقرار بتساوي الروايتين، كما يكون من العسير الحكم على أن هذه الرواية أو تلك هي الأصح؛ لأن الوصول إلى مثل هذا الحكم يقتضي دراسة معمقة في معجم الشاعر ولغته وأسلوبه، والوقوف أحيانا على حالته النفسية ساعة نظمه لتلك القصيدة، وهو ما لم يكن متداولا لدى القدماء، ولا متيسرا لهم، لذلك فإنك تجد الدارسين المحدثين يلجؤون ـ في الغالب ـ إلى الأخذ بأقدم الروايات، أو يرجحون رواية الديوان ، إن كان جُـمِـع قريبا من عهد الشاعر، أو يتبنون رواية الراوية الأوثق ، المعروف أكثر من غيره بضبطه وإتقانه، مثلما كان يفعل ذلك علماء الحديث في ترجيحهم للضابط المتقن على من هو أقل منه ضبطا، إذا ما تساوت عندهم أسانيد الحديث المروي بروايتين مختلفتين أو أكثر. يقول ابن الصلاح في “معرفة المضطرب من الحديث”: »المضطرب من الحديث هو الذي تختلف الرواية فيه، فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم على وجه آخر مخالف له. وإنما نسميه مضطربا إذا تساوت الروايتان. أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى، بأن يكون راويها أحفظ، أو أكثر صحبة للمروي عنه، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم للراجحة«
وهكذا نلاحظ أن هذه الترجيحات غالبا ما تكون مرتبطة بالرواة، فهي ،إذن، ترجيحات “خارجية” عن النص.
فإذا تعذر وجود شيء منها ، تعذر القيام بأي شيء، كما حدث لمحققَي المفضليات، حيث صرحا؛ بعد أن ساقا مجموعة من الأخبار الواردة في شأنها؛ بقولهما: »وهذه أخبار كما ترى ، فيها اختلاف وفيها اضطراب! وفي ترجيح بعضها على بعض عسر وحرج؛ بل لعله غير مستطاع؛ إذ أكثر رواتها من رجال الأدب الذين لم تُنقَد تراجمهم وأخبارهم ورواياتهم بالنقد العلمي الدقيق، الذي سار عليه حفاظ السنة في نقد رواة الحديث.«
وعلى هذا الأساس فإنني أرى أن منشأ كثير من الاختلاف في الرواية داخل النصوص الشعرية، إنما هو نتيجة رواية بعض الشعر بالمعنى، حيث يغيب اللفظ الصحيح عن الراوية، بينما يظل معنى البيت عالقا بذهنه، فيختار له من ألفاظ اللغة ما يناسب ذلك المعنى، آخذا بعين الاعتبار ألا يَـسقُط بالبيت في الكسر أو اللحن. وهذا يتوافق مع كثير من الأحاديث الصحيحة المروية بالمعنى، ولو كان الاختلاف بينها في كلمة واحدة فقط. وأقرب مثال لهذا، ما روي أن امرأة جاءت »إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأرادت أن تهب نفسها له، فتقدم رجل فقال: يا رسول الله ! زوجنيها؛ ولم يكن معه من المهر غير بعض القرآن. فقال النبي: أنكحتُـكَها بما معك من القرآن؟ وفي رواية “قد زوجتكما بما معك من القرآن”، وفي رواية ثالثة: “زوجتكها على ما معك من القرآن”، وفي رواية رابعة: “قد ملّكتكها بما معك”، وفي رواية خامسة: “قد أملكتها بما معك من القرآن”، وفي رواية سادسة: “أنكحتكها على أن تُقرئها وتعلمها”، وفي رواية سابعة: “أمْكَـنَّاكَـها” ، وفي رواية ثامنة: “خذها بما معك”«
ومما لا ريب فيه أن يكون شيء من الحديث ومن الشعر قد تأثر سلبا بهذا التجوز في الرواية بالمعنى، الذي ركبه العلماء من الفريقين حفاظا على حياة النص، وتيسير رواجه وتداوله؛ فذلك أخف الضررين، كما أسلفت. ولكنه بالنسبة للشعر أشد تأثيرا وأبلغ إضرارا. وقد برز شيء من الآثار السلبية لرواية بعض النصوص الشعرية بالمعنى، في اعتماد النحاة واللغويين على مثل هذه النصوص، يستشهدون بها على اللغة، ويبنون عليها قواعدها؛ خاصة عندما يقوم الشاهد على الكلمة ذاتها التي هي موضع الاختلاف، بحيث إذا صححت الكلمة، سقط الشاهد. ففي كتاب سيبويه، يستشهد صاحبه على حذف واو الإشباع ضرورة بقول الأعشى:
وما له من مجد تليد وما له
من الريح حظ لا الجَنوب ولا الصَّبا
فإذا نظرت إلى البيت في الديوان وجدته برواية أخرى:
«وما عنده مجد تليـد ولا له
من الريح فضل لا الجنوب ولا الصبـا
وعلى هذه لا يكون فيه شاهد… « .
فهل هو سهو من الراوية؟ أم هي رواية للشعر بالمعنى؟ أم أنه تعمد تغيير الرواية لتناسب الشاهد، وقد كان من الرواة من يفعل ذلك؟ .
هذا إلى أن كثيرا من الأبيات رويت بروايات مختلفة ، تصل حد التناقض أحيانا، لأنها تخضع لأهواء راويها، وما كان يريد أن يكون عليه البيت ليكون ـ في نظره ـ أحسن أو أكثر تأثيرا…؛ »فأبو عمرو يروي البيت :
دعاني إليها القلب إني لأمره
سميع ، فما أدري أرشدٌ طِـلابُها
والأصمعي يرويه:
عصاني إليها القلب إني لأمره
مطيع ، فما أدري أرشد طـلابها
وتقرأ شرح ابن الأنباري على المفضليات فلا تكاد تجد قصيدة لم ترو روايات عدة، بزيادة أو حذف، وتقديم أو تأخير، وتغيير كلمات في الأبيات… وربما لا تفتح صفحة من كتاب إلا وتقع عينك على مثل هذا«
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقتطف من الفصل الثالث من الباب الأول من الرسالة
[email protected]
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني



