د. محمد ناجي
كان المنهج الذي اعتمده رجال الحديث في توثيق الأحاديث النبوية هو الأصل الذي اقتدى به سائر العلماء في مختلف »الميادين العلمية الأخرى كالتاريخ، والفقه، والتفسير، واللغة، والأدب، وغيرها« ، ولذلك فقد توافق علم الشعر مع علم الحديث، في عناصر كثيرة من مقومات هذا المنهج ، بغاية التصدي للموضوع في كل منهما، غير أن ما يلاحظ هو أن علماء الحديث كانوا أشد حرصا وصرامة في عملهم بهذا المنهج، مما كان عليه العلماء بالشعر، وهذا ما أدى إلى تحقيق نتائج باهرة في الحديث، لم يرق إليها ما تحقق في غيره من تلك العلوم التي ابتليت بآفة الوضع في أخبارها ونصوصها، كالشعر والتاريخ وعلم الأنساب وغيرها.
لقد قام هذا المنهج على عناصر أساسية ، أهمها:
1- اعتماد السند
من الأمور التي يقر بها العلماء من مسلمين وغير مسلمين، أن الثقافة العربية/الإسلامية قد تفردت بين ثقافات الأمم جميعا باصطناعها لمنهج علمي دقيق ومضبوط ومتكامل، للتحقق من صحة مرويات تراثها الديني وأخباره، وما واكبه من تراث أدبي وحضاري وغيره، وقد كان العمود الفقري لهذا المنهج يقوم على عنصرين متداخلين متكاملين : الإسناد، والجرح والتعديل. وإذا عدنا إلى الدوافع التي حملت العلماء على ابتداع هذا المنهج، فإننا سنجدها تعود بالدرجة الأولى إلى ظاهرة الوضع التي استشرت في جسد ثقافتنا الإسلامية، ابتداء من اشتعال نار الفتنة الكبرى في حدود العقد الرابع أو الخامس من القرن الهجري الأول، حيث عمد الناس إلى اصطناع أحاديث ينسبونها إلى الرسول في تزكية مواقفهم، وتأييد أحزابهم، أو تفضيل زعمائهم، والإساءة إلى خصومهم .. مما دفع بعض العلماء المخلصين إلى العمل على استخلاص الحديث الصحيح من الموضوع، وجمعه من أفواه الثقات ، ممن يروون عن ثقات… فكان السند المتصل، الثقة عن الثقة، أول عناصر شروط قبول الحديث الصحيح. ولذلك فقد كان علماء الحديث أول من سن العمل بحتمية الإسناد في الرواية، وطبقه بكل صرامة ، ثم اقتدى بهم العلماء بالشعر ـ بعد ذلك ـ اقتداء خفيفا.
وعليه؛ فإذا أقررنا بهذه الحقيقة التي لا غبار عليها ؛ فإنه سيكون من باب التعدي وغبن ذوي الحقوق حقوقهم، أن ندعي أن علما ما قد سبق علم الحديث في ابتداع هذا المنهج، واعتمادِه للتوثق من صحة الرواية، كما حاول أن يخبر بذلك الدكتور ناصر الدين الأسد في مصادره، حيث اعتبر أن الرواية الأدبية كانت أسبق إلى اعتماد السند، أو ـ في أحسن الأحوال ـ أن الإسناد ظهر في العلمين معا، في نفس الوقت ، عندما دعت الحاجة إليه، محتجا لذلك بقوله : »وربما كان أوضح ما يمثل تلقي الشعر وأخذَه، ما يُروى من أن عمر بن الخطاب تمثل بشعر، ثم قال لفرات بن زيد الليثي: أتدري من يقوله؟ فقال فرات: لا أدري يا أمير المؤمنين. قال عمر: هذا شعر أخيك قسامة بنِ زيد. قال : ما علمته. قال : بلى، هو أنشدنيه، وعنه أخذته«. ثم بنى على هذا الخبر قوله: »والرواية سبيل طبيعية في كل عصر وعند كل أمة… بينما كانت رواية الحديث أمرا طرأ على العرب بعد الإسلام . فإن لم تكن رواية الحديث من حيث الطور الزمني متأثرة برواية الأدب وفرعا منها، فالروايتان أصلان انبثقا عن الحاجة الملحة انبثاقا طبيعيا.« .
وأول ما يلاحظ على هذا كلام أن فيه تخليطا بين “الإسناد” بصفته منهجا في “التوثيق” ، وبين الرواية، التي تعني انتقال الشعر من شخص لآخر، لا يكون مطلوبا فيها من الراوي الأخير، وهو يروي أشعاره ـ أو ينشدها ـ إسناد ما يرويه إلى من أخذه عنه. فمن هذا المنظور، فإن الرواية الأدبية كانت فعلا أسبق من رواية الحديث. أما من المنظور التوثيقي، الذي ننظر فيه إلى الإسناد، باعتباره أداة “وظيفية” ، للتحقق من نسبة النص إلى من نسب إليه، ففي كلام الأسد نفسه ما يدل على تنبه رواة الحديث إليه، قبل أن يفطن إليه العلماء بالشعر، حيث يستمر قائلا: » وتفصيل ذلك أننا لا نعرف ـ على وجه الضبط ـ متى بدأ الإسناد في رواية الحديث ، فنحن نرى مثلا أن بعض التابعين لم يكن يسند الحديث حين يحدث.
فقد روى عاصم الأحول (المتوفى سنة 142) عن ابن سيرين (المتوفى 110) قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، حتى وقعت الفتنة؛ فلما وقعت الفتنة، نظروا من كان من أهل السنة أخذوا حديثه، ومن كان من أهل البدع تركوا حديثه.
وقال حماد بن سلمة : كنا نأتي قتادة ، فيقول : بلغنا عن النبي (ص) ، وبلغنا عن عمر، وبلغنا عن علي، ولا يكاد يسند. فلما قدم حماد بن أبي سليمان البصرة، جعل يقول: حدثنا إبراهيم وفلان وفلان ، فبلغ قتادة ذلك ، فجعل يقول: سألت مطرفا، وسألت سعيد بن المسيب، وحدثنا أنس بن مالك، فأخبر بالإسناد« .
هكذا إذن يتبين أن المحدثين انتبهوا إلى الإسناد منذ وقوع الفتنة الكبرى، وأنهم أخذوا في تطبيقه عمليا منذ أواخر القرن الأول أو مطلع القرن الثاني؛ فقتادة بن دعامة السدوسي الذي تعلم إسناده من حماد بن أبي سليمان توفي في سنة 117. فهل عندنا في الشعر ما يشير إلى انتهاج الإسناد في روايته في هذا العصر؟ بصرف النظر عن بداية مطالبتهم به من زمن الفتنة الكبرى، أي حوالي سنة 40.
إن شيوخ الرواية الأدبية الأوائل من أمثال أبي عمرو بن العلاء(توفي سنة 154) وحماد الراوية (توفي سنة 155) وغيرهما ، لم يصلنا عنهم شيء مهم من الإسناد، بمفهومه الاصطلاحي عند المحَدّثين؛ بل هم يعتبرون عندنا في رواية الشعر القديم “رأس السند ونهايته”، ومع ذلك فقد اعتُمِدوا فيما روي عنهم من أخبار وأشعار، لكون»الرواية الشعرية تختلف من حيث طبيعتها، وتاريخها، وقيمتها، ووظيفتها، عن الرواية الحديثية، على ما بينهما من اتصال وتداخل أحيانا، وتأثر وتأثير…لأن الرواية الأدبية ليست من حيث القيمة والوظيفة بنفس الدرجة والخطورة التي عليها الرواية الحديثية، لأن للحديث النبوي الشريف سلطة مرجعية متميزة وقوية، تجعله يملك من الحجية والمصداقية ما لا يملكه اللغة والشعر، إذ أنه يتصل اتصالا مباشرا بحياة المسلمين، ويشكل فعالية كبرى في شؤونهم الدينية والدنيوية، فهو مصدر للتشريع والأحكام بعد القرآن الكريم«. ولذلك فإن الإسناد لم يصبح »تقليدا ثابتا في الأدب إلا في القرن الثالث للهجرة وما بعده«
أما ما رواه الأسد من خبر عمر بن الخطاب مع فرات الليثي، فهذا ليس من قبيل الإسناد “المنهجي” ، الذي يراد به توثيق النص الشعري، وإنما هو بمثابة إخبار من عمر للرجل، بأنه (أي عمر) قد سمع هذا الشعر مباشرة من الشاعر، وكأن عمر يخبر فراتا أنه كان أقرب إلى أخيه الشاعر منه، أو أنه كان أحرص على رواية شعره منه، أو ما يشبه هذا مما يستفاد من سياق الحديث… ولربما يكون فيه تأنيب مبطَّن مهذب لفرات الذي لا يحفظ شعر أخيه، وقد كان حريا به ذلك! هذا حسب ظاهر الخبر لمن اكتفى بقراءته في كتاب المصادر ، دون أن يرجع إليه في أصله. أما لمن يرجع إلى النص في أصله كما رواه ابن حجر، فسيدرك للوهلة الأولى أن عمر لم يقصد بكلامه إلى الإسناد في حد ذاته، وإنما أراد أن يظهر لفرات بن زيد أن أخاه قسامة يفضله، لتجمله بشيمة الكرم، والإشادة به في شعره، في مقابل بخل فرات؛ واحتجاجه لرأيه وسلوكه بأشعار أخرى، حتى بلغ التناظر بينهما إلى التحاجج بآي القرآن الكريم، فغلب عمر فراتا. فالمسألة إذن لم تكن مسألة توثيق للشعر بذكر سنده، وإنما كانت مجرد إخبار عن كون صاحب هذا الشعر هو أخو المخاطَب، قصد التلميح إلى فرق ما بينهما، في الرأي والسلوك..
وحتى بعد انتشار هذا المنهج وتطبيقه في سائر العلوم التي تُتناقل معارفها عن طريق الرواية، فإن العلماء بالشعر لم يكونوا حريصين على تطبيقه في كل ما يروونه من نصوص شعرية أو أخبار، حِرْصَ علماء الحديث عليه؛ حتى لقد بلغت عناية المحدثين بالسند أن اعتبروه “من الدين”، وميزوا بين أصناف الحديث اعتمادا على اتصال أسانيدها أو عدم اتصالها، ففرقوا في ذلك بين المرسل، والمنقطع، والمعضَّل.. إلى غير ذلك مما لا حظَّ لعلم الشعر في شيء منه. ثم إنهم بنوا نقدهم الثوتيقي على ما يؤدي إليه تفحصهم في هذه الأسانيد، وتعقبهم لرجالها، مما شكل عندهم علما، يعتبر ركنا أساسيا من أركان هذا المنهج، هو علم الجرح والتعديل.
2- الجرح والتعديل
وفي هذا الجانب بالذات أبان علماء الحديث عن كفاءة ومقدرة جديرتين بالتنويه ؛ ذلك أنهم استطاعوا من خلال هذا العلم، الذي وطدوا أركانه، ووضعوا قواعده على أسس ثابتة صلبة، أن يرتبوا رجالهم من الرواة مراتب، بحسب درجتهم من الأمانة والثقة، من جهة، وبحسب الضبط والإتقان من جهة أخرى، ففي أعلى مراتبهم من وصفوه بالثقة الثبت، أو الضابط الثقة، أو ما شابه هذا من العبارات الاصطلاحية، وفي أدناها من وصفوه بالكذاب أو الوضاع أو ما جرى مجراها من المصطلحات. ثم يأتي بين هؤلاء وأولئك من الرجال من كان دون منزلة الأول، وفوق منزلة الأخير، كالميسور الحال، والذي لا بأس به، والمختلط ، والذي يؤخذ ببعض قولـه ولا يؤخذ ببعضه الآخر… إلى غير ذلك مما سنعرض له في فصل لاحق. وقد بنوا كل هذه الأحكام على متابعاتهم لمرويات الرجال، ومقارنة بعضها ببعض، ومقارنتها بما صح من مرويات الرواة الثقات، ومتابعة الأسانيد التي يُسنِد إليها كل راوية منهم، متابعة علمية دقيقة، خاصة على المستوى التاريخي لمعرفة مدى اتصال رجالها المعنعنين، والتقائهم، ومدة هذا الالتقاء، وعدد مراته ومكانه أحيانا؛ بمن في هؤلاء كبار رواة الحديث كالبخاري ومسلم، حتى إن بعضهم نفى اتصال الإمام مسلم ببعض من روى عنهم من أهل دمشق، باعتبار أن رحلة مسلم إلى دمشق لم تصح عنده؛ فإذا صح هذا الاعتراض، فإنني لا أستبعد أن يكون هو العامل وراء عدم اشتراط مسلم شرط اللقيا، واكتفى بالمعاصرة فقط، خلافا للبخاري الذي شرط المعاصرة واللقيا معا، ولو كانت مرة واحدة.
ولم يقتصر المحدثون في دراستهم للأسانيد على تنزيل رجالها منازلهم؛ بل تجاوزوا ذلك إلى تمييز سلاسل السند بعضها عن بعض، أي أن أحكامهم أصبحت تستوعب السلسلة بكامل رجالها، بناء على القيمة التوثيقية العامة لكل سلسلة على حدة، فإذا كان رجال السلسلة كلهم ثقةٌ ضابطٌ عن ثقة ضابط، فتلك أعلاها مرتبة، وإذا اجتمع فيها مجروح عن مجروح أو عن مجهول فتلك أوهاها … وما بين المرتبتين نظروا في أمره، فإذا كان في السلسلة راو واحد ضُعِّـف، نظروا في مصدر تضعيفه وحاله، هل هو قابل للجبر، أو غير قابل له، كالصدوق الذي دلِّس عليه، أو المدلِّس في أسانيده كذبا وتمويها، ثم هم يعاملون الحديث على حسب ما يؤدي إليه بحثهم واستقصاؤهم …
أما في الشعر، فإننا لا نجد عندنا سوى أحكام تجريحية أو تعديلية مطلقة، اتسمت في معظمها بشيء من التعميم، فهي قلما تنحصر في هذا النص المروي أو ذاك، ومعظمها لم يسلم من تأثير عنصر الذات على الجارح في تجريحه، أو هو نتيجة اختلاف في منهج الرواية، بين متشددين، ومتساهلين، حيث اتهم رواةُ البصرة رواةَ الكوفة بالتزيد والوضع؛ وكان أبو حاتم السجستاني أشد مجرحيهم ، فقد نقل له أبو الطيب اللغوي نصين في تجريحهم: »…: قال أبو حاتم :”كان بالكوفة جماعة من رواة الشعر مثل حماد الراوية وغيره؛ وكانوا يصنعون الشعر ويقتفون المصنوع منه وينسبونه إلى غير أهله« أما الثاني فقد أشار فيه من طرف خفي إلى المسألة الزنبورية؛ قال: »…: حدثنا أبو حاتم قال :”لم يكن لجميع الكوفيين عالم بالقرآن ولا كلامِ العرب، ولولا الكسائي دنا من الخلفاء فرفعوا من ذكره لم يكن شيئا ، وعلمه مختلط بلا حجج ولا علل ، إلا حكايات عن الأعراب مطروحة، لأنه كان يلقنهم ما يريد، وهو على ذلك أعلم الكوفيين بالعربية والقرآن ، وهو قدوتهم وإليه يرجعون« ؛ ولم يستثنوا منهم بالاسم سوى المفضل الضبي، حسب شهادة ابن سلام ، ومع ذلك فقد عز على أبي حاتم ـ أٌقوى خصيم للكوفيين ـ، أن يكون كوفي بلا نقيصة؛ وإن كان موثقا كالمفضل الضبي، فأبى ـ بعد أن وثقه ـ إلا أن ينتقص من علمه، زاعما عليه إقرارا غريبا؛ قال أبو الطيب: » … : أخبرنا أبو حاتم قال: “كان أوثقَ من بالكوفة في الشعر المفضلُ الضبي” ، قال: “وكان يقول: ’’ إني لا أحسن شيئا من الغريب، ولا من المعاني، ولا تفسير الشعر‘‘، وإنما كان يروي شعرا مجردا ، ولم يكن بالعالم بالنحو، ولا كان يشدو منه شيئا”«،، وهي شهادة من الصعب تصديقها! . أما صاحب لسان الميزان، فقد جرده حتى من الثقة، في جزء من علمه، قال: »هو ثقة في الأشعار، غير ثقة في الحروف«، بدون أن يذكر على أي أساس بنى هذا الطعن، ولا أن يقدم أي دليل مادي بحرف من هذه الحروف التي كذب فيها المفضل! وقد كان اتهام أهل الكوفة بالوضع الشعري أكثر انتشارا في مآخذ البصريين عليهم، قدموا بين يدي بعضه أدلة من تلك الأشعار التي اتهموهم بوضعها على شعراء جاهليين، أكتفي بنموذج واحد منها:» قال أبو حاتم : أهل الكوفة مثل حماد وجناد وابن الجصاص، أفسدوا شعر[امرئ القيس]. ومما يحمل عليه وليس له فيما زعموا منه إلا بيت واحد:
إن الشقاء على الأشقَيْن مصبُوب
وهو شعر حسن، ليس له منه إلا هذا البيت، لاشك أنه له«
واتهموا الرواة البغداديين بعد ذلك بقلة التنقيح والنقص المعرفي، حتى أغلظ القولَ فيهم أبو حاتم أيضا ، فقال: »أهل بغداد حشو عسكر الخليفة، لم يكن بها من يوثق به في كلام العرب، ولا من تُرتضى روايته، فإن ادعى أحد منهم شيئا رأيتَه مخلطا صاحب تطويل وكثرة كلام ومكابرة، ولا يفصل بين علماء البصرة وبين الرؤاسي، والكسائي، ولا بين قراءة أهل الحرمين وقراءة حمزة، ويتحفَّظُ أحدهم مسائل من النحو بلا علل ولا تفسير، فيكثر كلامه عند من يختلف إليه ن وإنما همُّ أحدهم إذا سُبِق إلى العلم أن يُيَسِّر اسما ليُنسَب إليه، فيسمي الجر خفضا ن والظرف الصفةَ، ويسمون حروف الجر حروف الصفات، والعطفَ النسق، و”مفاعيلن” في العروض “فعولان” ، ونحو هذا من التخليط« . وكان قد قدم دليلا ماديا على فساد روايتهم، رماهم فيه بالجهل؛ قال أبو هلال العسكري: » وسمعت أبا بكر[بن دريد] يقول : سمعت أبا حاتم يقول: روى البغداديون في شعر الأعشى :
بنـاه قصـيٌّ وحده وابنُ جُرهُم
ثم قال له أبو حاتم : “هذا هو الجهل ! أيقول أحد : رأيت زيدا وحده وعمرا ؟ وإنما الرواية :
بناه قصي والمُضاضُ بنُ جرهم«
وجرح الأصمعي من جهته مرويات رواة المدينة؛ قال: »أقمت بالمدينة زمانا، ما رأيت بها قصيدة واحدة صحيحة إلا مصحفةً أو مصنوعة، وكان بها ابنُ دَأْب يضع الشعر، وأحاديث السمر، وكلاما ينسبه إلى العرب، فسقط، وذهب علمه، وخفيت روايته. وهو عيسى بن يزيد…، ويكنَّى أبا الوليد، وكان شاعرا وعلمه بالأخبار أكثر« ..
وإذا كان بعض هذا التجريح قد انبنى فعلا على أسس علمية، وحاول أن يقدم الأدلة التاريخية أو المادية لإثبات الجرح كما عند ابن سلام في تجريحه لابن إسحاق، وطعنه في مروياته الشعرية؛ أو في بعض تجريح أبي حاتم؛ فإن كثيرا مما جرح به الآخرون كان عبارة عن طعون مطلقة عامة، كتلك التي جُرح بها حماد وخلف والمفضل والأصمعي وأبو عبيدة والمبرد وغيرهم، لا تقدم بين يديها دليلا قاطعا، ولا تستند في طعنها على النصوص المتهمة بالوضع إلى تحليل داخلي، إلا في القليل النادر جدا، من أشهره ما ذكره القِفْطي من ورود معنى في قصيدة لتأبط شرا، رواها خلف الأحمر، فاتهمه بها اعتمادا على ذلك الوهم، معتبرا أن ذلك المعنى لم يكن يدركه الجاهلي. ثم ورود كلمة “سَلْع” وهي اسم جبل في نفس القصيدة، وسلع لم يكن من جبال مواطن الشاعر. وكلها مآخذ أثبت بعض العلماء المحدَثين فسادها.
لذلك فقد نظر علماء الحديث إلى الجروح في حد ذاتها، وميزوا فيها بين ما يقبل وما يرد: فالجرح القائم على تعصب مذهبي لا يؤخذ به. قال السبكي: »ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح: حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح. فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة، فجرحه لذلك ..« ؛ ثم نبهوا على ضرورة التدقيق في ألفاظ التجريح؛ حتى يكون اللفظ الجارح على قدْر الجرح المُآخَذ عليه، ويتساوى الناس في فهمه في كل زمان وفي كل مكان: »ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح أيضا: حال الجارح في الخبرة بمدلولات الألفاظ، فكثيرا ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها. والخبرة بمدلولات الألفاظ ولاسيما الألفاظ العرفية التي تختلف باختلاف عرف الناس، وتكون في بعض الأزمنة مدحا، وفي بعضها ذما، أمر شديد لا يدركه إلا قعيد بالعلم«. وقد يكون هذا من الأسباب التي أدت إلى تعدد المصطلحات التجريحية عند المحدّثين تعددا كبيرا، وتنوعها تنوعا كثيرا ، في مقابل قلتها ومحدوديتها بالنسبة لتجريح رواة الشعر.
3- نقد المتن:
إذا كان علماء الحديث قد برزوا في نقد السند وتعديل أو تجريح الرواة بناء على معايير مضبوطة دقيقة، فإن مما لا شك فيه أن نقاد الشعر قد برزوا في هذا الجانب المتعلق بنقد المتن بأكثر مما هو عند علماء الحديث؛ حتى إنني أكاد أقول بأن “نقد المتن” هو العنصر الوحيد الذي تفوق فيه العلماء بالشعر على كل من سواهم، من بين كل العناصر التي يقوم عليها هذا المنهج النقدي/التوثيقي.
والمقصود عندنا بنقد المتن هنا، ليس ذلك المفهوم الذي عرف عند النقاد المتأخرين، الذي يعرِّف النقد بأنه “تمييز جيد الشعر من رديئه”؛ وإنما المقصود به “تمييز صحيح النصوص المروية من مكذوبها” ؛ وهي الغاية التي اتجهت إليها عناية العلماء والنقاد في العلمين معا، منذ انطلاق عملية جمع نصوصهما وتدوينها؛ حيث ركز المحدِّثون اهتمامهم في أول الأمر على ما يعرف عندهم “بالنقد الإسنادي”، القائم على تتبع الأسانيد وتفتيشها، وهو “نقد خارجي” للمتن؛ بينما ركز العلماء بالشعر على نقد المتن، وهو “نقد داخلي” ؛ يصدر أحكامه انطلاقا من المتن ذاته، فحتى ابن سلام عندما هاجم ابنَ إسحاق وجرح مروياته، فقد بنى موقفه انطلاقا من تلك النصوص، إما لتعارضها مع ما جاء في القرآن، أو لاستحالة صدورها من أقوام لم تكن لغتهم العربية، أو لغير ذلك من الأسباب “النصية” ـ كما يُصطلح عليها الآن ـ . ولكن هذا لا يعني أن المحدّثين تغاضوا كلية عن نقد المتن، وإنما هم فقط لم يوغلوا فيه إيغال العلماء بالشعر، ولذلك فإن الأستاذ أحمد أمين لم يكن مغاليا عندما قال : »ولكنهم ، والحق يقال ، عنوا بنقد الإسناد أكثر مما عنوا بنقد المتن؛ فقَـلَّ أن تظفر منهم بنقد من ناحية أن ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يتفق والظروف التي قيلت فيه، أو أن الحوادث التاريخية الثابتة تناقضه… ولم نظفر منهم في هذا الباب بعشر معشار ما عنوا به من جرح الرجال وتعديلهم، حتى نرى البخاري نفسه، على جليل قدره، ودقيق بحثه، يثبت أحاديث دلت الحوادث الزمنية، والمشاهدة التجريبية على أنها غير صحيحة، لاقتصاره على نقد الرجال« ؛ ورغم ما يظهر من معارضة الدكتور صلاح الدين الأدلبي لهذا الرأي ؛ إلا أنه لم يلبث أن أقر بأن »كتب علوم الحديث قد ركزت على البحوث الإسنادية بشكل أكبر، حتى في الأبواب التي قد تكون مشتركة بين النوعين… وكذلك فعلت الكتب المستقلة التي صنفها المحدّثون في “علل” الأحاديث« ، ثم يقول بعد ذلك : »ولا أعلم من أفرده بالتأليف سوى الإمام ابن القيم، في رسالته التي سماها: “المنار المنيف”«، وأبو عبد الله محمد، ابن قيم الجوزية من علماء القرن الثامن الهجري(توفي سنة 751)، وهذا يعني أن هذا النوع من النقد الداخلي لنصوص الحديث إنما أخذ يستأثر باهتمام علماء الحديث في عصر متأخر جدا عن ظهوره عند العلماء بالشعر، الذين كان النقد الداخلي معتمدهم في كثير مما ردوه من نصوص موضوعة أو متهمة، سواء عند ابن سلام، أم عند الجاحظ في الحيوان، أم عند غيرهما كما سيتضح من خلال هذا البحث إن شاء الله. ولذلك فقد حاول الأدلبي أن يبرر قلة اهتمام علماء الحديث بهذا الجانب بقوله: »إذا وقع التركيز على نقد المتن أكثر، فقد يؤدي هذا إلى قبول بعض الأحاديث الصحيحة المعنى دون تثبت في النقل؛ إذ لا يكفي لصحة الحديث أن يصح متنه فقط، بل لا بد من صحة السند كذلك؛ بل صحة السند هي الأساس، ولذا كان لابد من التوسع في نقد الأسانيد وموازينها، كي تعرض الأسانيد على موازين الاتصال والعدالة والضبط، وعدم شذوذ السند أو اعتلاله، أولا،، ثم ينظر بعد ذلك في المتن؛ فإن صح حكمنا للحديث بالصحة والقبول، وإلا حكمنا عليه بالرد« ؛ وهو قول يكاد يوحي بأن غاية المحدثين لم تكن الوصول إلى حصر الحديث النبوي الصحيح، ونخله من الموضوع؛ بقدر ما كانت غايتهم هي “معرفة الرجال”، وتمييز المجروحين منهم من المعدلين.. ثم ربطُ الحديث بعد ذلك بالمنزلة التي ينزلون فيها المحدّث، إن عدلا فحديثه في الغالب صحيح، وإن مجروحا فحديثه ـ متى انفرد به ـ باطل . ولا شك أن هذا قد أوقع الحديث في كثير من المشكلات والصعوبات، ظل يجرها خلفه إلى أن أخذ بعض المتأخرين من علماء الحديث يتجهون صوب نقد “متن الحديث ” في ذاته، حيث تبين لهم فساد بعض الأحاديث التي وردت في كتب الصحاح، كصحيح البخاري وصحيح مسلم، ناهيك عمَّا دونها صحة. وقد عقد الأدلبي نفسه مباحث في كتابه بالأحاديث الموضوعة الواردة في هذه الأمهات؛ عنونها بـ”وقوع الوهم عند الرواة”« ؛ وفي نظري أنه لو كان الاتجاه منذ البداية منصبا على نقد المتن، بالقدر الذي انصب على نقد السند؛ لكان الحديث النبوي قد تخلص منذ تلك العصور من كثير من الموضوعات التي ظل المسلمون يعتقدون بصحة نسبتها إلى النبي على مدى عدة قرون، مع ما يستتبع ذلك الاعتقاد من ضرورة العمل بما جاء فيها من توجيهات، أو أوامر أو نواه ، لم تكن من الدين في شيء.




