د. محمد ناجي
نظمت مؤسسة الفقيه التطواني للعلم والآداب والأعمال الاجتماعية، والجامعة الشعبية، لقاء مع السيد رئيس الحكومة حول الاقتصاد والسياسة وقضايا المجتمع، أجاب فيه على مجموعة من الاسئلة حول المقاصة التي كانت بمثابة حبل يخنق الدولة، فتخلصت منه هذه السنة إلى صفر درهم، وحول العجز الذي تقلص في ميزانية الدولة أيضا ، وتحدث عن استراتيجية التشغيل التي تمنى تفعيلها في نهاية فترة حكومته الحالية، راجيا ألا تلغيها الحكومة المقبلة. كما أشار إلى حرصه على استمرارية المقاولات في أعمالها؛ ليتطرق بعد ذلك إلى آفة الرشوة في المجال القضائي بصفة خاصة، وإلى صعوبة ضبط كل حالات تهريب المخدرات، وتعرض للديون التي ذكر بأنها ستأخذ مسارها التنازلي ابتداء من السنة المقبلة ، وفي الأخير تطرق إلى معضلة التقاعد . وقد تميزت أجوبته في عموميتها خلال هذا اللقاء بالوضوح والصراحة ، ولم تأخذ طابع الأجوبة الدبلوماسية أو المتهربة من الإجابة الصريحة ؛ ولكنه كعادته لم ينس السيد رئيس الحكومة أن يوجه بعض الاتهام إلى المعارضة التي تمانع ـ حسب قوله ـ في تحقيق ما تخطط له حكومته من تمكين الأرامل والمعوقين من مِـنَـحٍ تَـقِـيهم مغبة الحاجة والمسألة؛ خوفا من أن يحصل حزبه على الأغلبية لولاية حكومية ثانية.
وأعتقد أن كل نقطة من النقط الواردة مما جاء في هذه الجلسة الحوارية تحتاج إلى وقفة خاصة؛ وإلى مناقشة مسهبة من طرف الأحزاب والمجتمع المدني أفرادا أو جمعيات أو هيآت، لأنها كلها مما يشغل الرأي العام.. ولذلك فسوف أتطرق هنا إلى نقطتين : مسألة التقاعد، وآفة الرشوة.
فبالنسبة للتقاعد؛ فإنني أعتقد أن كلام السيد رئيس الحكومة حول هذا المشكل فيه شيء من المنطق، لأن تضحية بعض الموظفين بجزء من الراتب خير من الوقوع في حالة عجز مطلق؛ فهذا كلام معقول لاشك فيه. وتمديد الحق في التقاعد إلى 65 سنة، يبقى موضوع نقاش يحتاج إلى حسم توافقي؛ يمكن أن يستغرق تفعيله أكثر من سبع سنوات التي اقترحها رئيس الحكومة؛ مع مراعاة أن كثيرا من الملتحقين بالوظيفة العمومية من أصحاب الشهادات العليا، خلال العقدين الأخيرين، قد قضوا سنوات في البطالة قبل التوظيف؛ حيث إن معظمهم وظف في الثلاثين من عمره ، أو قريبا منها؛ مما يجعله لا يخرج بتقاعد كامل مائة بالمائة؛ حتى ولو امتد سن التقاعد إلى 65 سنة.
ولذلك فإنه لابد من مراعاة ظروف هذه الشريحة من الموظفين الذين كانوا ضحية عطالة طويلة لا يتحملون مسؤوليتها، أدت إلى تآكل تقاعدهم. ومن ثم فإنني أقترح احتساب سنوات التقاعد باعتبار الشهادة المحصل عليها ساعة التوظيف؛ لأن الذي يكون حاصلا على الباكالويا، فإنه ـ نظريا ـ يلتحق بالوظيفة قبل أن يلتحق بها الحاصل على شهادة تساوي الباكالويا + 6 ، بست سنوات على الأقل . مما يسمح له بالحصول على تقاعد كامل (100%) بينما لا يحصل نده صاحب الشهادة العليا إلا على تقاعد يساوي (100 – 6) . هذا في أحسن الأحوال؛ أي إذا توظف بمجرد حصوله على الشهادة (ماستر أو دكتوراه مثلا). بينما هناك حالات ظلت تعاني من عطالة سنوات طويلة بعد حصولها على الشهادة؛ في انتظار أن تحين فرصتها للالتحاق بالوظيفة العمومية، مما يجعل هذه الشريحة من الموظفين يصلون في نهاية حياتهم المهنية إلى نسبة قد تتراوح ما بين 25 أو 30 سنة عمل؛ في حالة تمديد سن التقاعد إلى 65 سنة ، مما يجعلهم يحالون على التقاعد بنصف الراتب الذي كانوا يتقاضونه تقريبا.


ولذلك فإن احتساب نقطتين لكل سنة دون 40 سنة عمل فيه إجحاف بحق هذه الفئة التي واظبت على دراستها حتى حصلت على شهادة عليا، وعانت من البطالة لسنوات، ثم بعد التقاعد تخرج محرومة من حق الاستفادة من نقطتين ونصف عن كل سنة عمل.
هذا بالنسبة للحالات التي لم أسمع أن النقابات قد تطرقت إليها في نقاشها مع الحكومة .
أما بالنسبة لما جاء في كلام السيد رئيس الحكومة فإنه قد أعطى بعض الحلول التي لا تخلو من صواب ووجاهة؛ باعتبار أن كثيرا من الدول التجأت إليها؛ بما فيها فرنسا التي هي قدوتنا في القوانين والتشريعات. إلا أن هناك حلولا أخرى يمكن الاستعانة بها للتخفيف من عبء ثقل الأداءات على صندوق التقاعد ؛ بعضها يعتبر من المطالب الشعبية التي يرفعها المواطنون هذه الايام ، وعلى رأسها :
1 ـ إلغاء تقاعد البرلمانيين كما فعلت دول أخرى. وبذلك تستفيد الدولة من عشرات الملايين كل شهر؛ كانت تصرف لأشخاص لا يستحقونها.
2 ـ إلغاء تقاعد الوزراء، لأنهم كانوا يشتغلون في مناصب أخرى أو مهن أخرى قبل أن يصبحوا وزراء؛ وتلك المناصب أو المهن تظل رهن إشارتهم للرجوع إليها دائما؛ ومنها يأخذون تقاعدهم.
ولأن الإبقاء على هذه التقاعدات سيجعل الصندوق يزداد تأزما بعد كل فترة برلمانية أو حكومية.. ونحن نعلم أن عدد البرلمانيين الذين يغادرون البرلمان بعد كل فترة انتخابية يعدون بالمآت.. ثم يحل محلهم مآت أخرون ينتظرهم هم أيضا تقاعد مريح بعد فترة عمل لا تزيد عن أربع سنوات؛ إذا حولناها إلى ساعات عمل، فقد لا تصل إلى معدل ساعات عمل موظف متوسط لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر. وهو إحصاء نرجو أن يقوم به البرلمان ليعرف الشعب كم هي ساعات العمل التي يشتغل فيها البرلماني طوال فترته الانتخابية ، ولو في المتوسط. وقد نصطدم بحالات لم تشتغل طوال فترتها البرلمانية أكثر من ثلاثين أو أربعين ساعة؛ ومع ذلك تستفيد من تقاعد لا يحصل على مثيله موظف سام قضى ثلاثين سنة في العمل . فأين هو المنطق في هذا ؟
3 ـ استرجاع الأموال المنهوبة من مختلف الصناديق وخاصة صندوق التعاضدية العامة، وصندوق التقاعد.. وهي تعد بعشرات الملايير؛ يمكن استثمارها والاستفادة من مداخيلها لإنعاش موارد صندوق التقاعد.
4ـ فتح باب التفاوض الاختياري مع المتقاعد بالحصول على مبلغ جزافي دفعة واحدة، وتنتهي كل علاقة له بصندوق التقاعد؛ بحيث هناك العديد من المتقاعدين ممن يرغبون في الحصول على مبلغ من المال يمكنهم من خلق مشروع متوسط أو صغير يدر عليهم بعض الرزق ويبقيهم أشخاصا نشيطين في المجتمع؛ مما يشعرهم باستمرار صلاحيتهم؛ خاصة مع ارتفاع سن متوسط الحياة في المجتمع المغربي من 60 سنة قبل حوالي نصف قرن إلى 70 سنة حاليا؛ أو ربما أكثر؛ ومع ملاحظة أن الوفيات بالنسبة للمتقاعدين قلما نجدها دون سن الثمانين، بل أغلبها ما بين 80 و 85 سنة . ويمكن لصندوق التقاعد أن يقوم بإحصاء في هذه الشأن يساعد على اتخاذ القرار المناسب بالنسبة لهذا الاقتراح ، بحيث بدل أن تستمر الدولة تؤدي للمتقاعد مرتبا شهريا لمدة تتراوح ما بين 15 إلى 20 سنة أو أكثر، تـتـفاوض معه على مبلغ جزافي يأخذه دفعة واحدة وينتهي الأمر؛ على أن يكون ذلك مبنيا على حسابات واضحة بالنسبة لكل فئة من المتقاعدين (كما كان الشأن بالنسبة للمغادرة الطوعية مثلا). وعلى كل حال فمشكل التقاعد لابد أن يوجد له حل في القريب العاجل.
أما بالنسبة لآفة الرشوة؛ وخاصة منها الرشوة في المرفق القضائي التي تحدث عنها السيد رئيس الحكومة بوجه خاص؛ فإذا كان من الصعب القضاء عليها بصفة نهائية؛ فإن التخفيف من حدتها مقدور عليه في نظري، وذلك بوسيلتين اثنتين:
أولاهما : وسيلة طالما نادى بها كثير من الحقوقيين، والمحامين ورجال من القضاة أنفسهم ، وهي نشر الأحكام .. ولو بدون أسماء صريحة للمتقاضين؛ وإنما بأسماء أعضاء هيئة الحكم ؛ حتى يتسنى للوزارة ولعامة الناس تتبع ما يجري داخل المحاكم، ومعرفة التي تتفشى فيها بعض الشبهات، والمحاكم التي تسير وفق ما ترتضيه العدالة والنزاهة. لأن أبسط ما تسفر عنه هذه العملية هي جعل بعض الأحكام (المفروشة) ـ كما نقول بالدارجة ـ موضوع اطلاع أو نقاش داخل الوسط القضائي نفسه. وتسليط الضوء على بعض القضاة المستهينين بمسؤولياتهم الجسيمة والخطيرة؛ وفي نفس الوقت أيضا التعرف على القضاة النزهاء الذين ستصبح أحكامهم المنصفة العادلة مرجعا لغيرهم في القضايا المماثلة. وهو ما يسمح لنوادي القضاة وجمعياتهم باختيار الأصلح لتحمل مسؤوليات قضائية في رئاسة تلك الأندية أو الجمعيات، أو في التعيين في مناصب المسؤوليات التي تهم الجسم القضائي، كالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، أو محكمة النقض أو غير ذلك من المناصب التي تحتاج إلى قضاة محنكين نزهاء .
والواقع أن كثيرا ممن اطلعوا على رفض بعض القضاة لنشر الأحكام؛ أولوا ذلك بالخوف من نشر الغسيل؛ لأن كل المبررات التي قُـدِّمت في هذا الصدد لم يكن لها شيء من الوجاهة أو الواقعية.
أما الوسيلة الثانية التي أقترحها لمناهضة الرشوة في القضاء فهي تكمن في تفعيل الفصل الجنائي المتعلق بتحيز القضاة (الفصل 254 ق.ج.) بكل نزاهة وصرامة؛ وذلك بخلق جمعية من المحامين تُـعطاها صفة المنفعة العامة، يكون لها فروع في مختلف المدن، وينضم إليها أي محام مقبول لدى المجلس الأعلى للقضاء، وتُـمـنح بعض المساعدات من طرف الدولة؛ لأنها هي التي ستستفيد من خدماتها في النهاية، ولو بطريقة غير مباشرة. ثم يوكل لهذه الجمعية أو الهيئة متابعة الملفات المشبوهة التي تُـقدم إليها من طرف محامين ترافعوا في فيها، وصدر في شأنها حكم نهائي حائز لقوة الشيء المقضي به.. حيث يكون قد تبين لدفاع طرف من أطراف الدعوى أن الحكم الابتدائي أو الاستئنافية لم يكن مجردا ولا محايدا؛ فتدرس الجمعية ذلك الملف دراسة وافية مقابل ألف درهم مثلا؛ فإذا تبين لها أن الملف لا يفصح بوضوح عن تحيز، فإنها تحفظه. أما إذا تبين لها أن هناك شبهة في القضية، وأن الحكم حاد عن جادة الصواب في تحيز متعمد؛ فإنها تتقدم هي باسمها بشكاية في الموضوع، وتتواجه مع القاضي المتحيز أمام قضاء نزيه؛ في محاكمة عادلة تجري في قاعة مغلقة، يكون من قوانينها التنظيمية الالتزام بسريتها وعدم نشر أحكامها، ويكون حكمها بالبراءة نهائيا، وبالإدانة قابلا للطعن أو الاستئناف.
وفي حالة البراءة؛ فإن المحكمة تحكم للقاضي بتعويض يؤدى من ميزانية الجمعية، مع الإشارة إلى أن تقييد دعوى بالتحيز لا يوقف القاضي المعني عن الاستمرار في مهامه إلى صدور الحكم النهائي.
والداعي إلى هذا هو أن جل الأحكام التي يكون فيها تحيز سافر؛ إنما تكون بدافع من رشوة أو منفعة يحصل عليها القاضي مقابل تحيزه؛ والحكم الجائر المتحيز يصعب الدفاع عنه دائما؛ بل حتى إذا افترضنا أن القاضي المتحيز استطاع الإفلات من ملف؛ فلن يتمكن من الإفلات من كل الملفات التي يجور فيها على الناس ..
وبهذا أتوقع أنه في ظرف وجيز يمكن أن تتراجع نسبة الأحكام الغريبة والجائرة بشكل سافر، تراجعا كبيرا، وسيصبح كل قاض حريصا على بناء حكمه على تعليل سليم قانونا وواقعيا، سواء في المرحلة الابتدائية أو الاستئنافية، مخافة المتابعة التي لا يتمتع فيها بأي امتياز قضائي.
فهذان اقتراحان لن يكلفا الدولة شيئا، وقد يعودان عليها بفوائد ومغانم وفيرة عندما تصبح الأحكام نزيهة، حيث سيكون فيها للدولة نصيبها من الغرامات أو المحجوزات أو التخفيف من حالات الاعتقالات الجائرة ، بالإضافة إلى إضفاء صورة محترمة على العدالة في المغرب؛ وهو ما يشجع على جلب رؤوس الأموال التي تبحث عن دول آمنة مستقرة تضمن حقوق كل طرف في محاكمات عادلة ؛ نزيهة وشفافة؛ لأن أصحاب رؤوس الأموال الضخمة لا يغامرون باستثمار أموالهم في دولة تكون فيها تلك الأموال مهددة بقضاء غير نزيه، يُـسَـهِّـل على المحتالين والنصابين والمغامرين الاستيلاء عليها، أو على جزء منها بالتواطئ معه ، أو يعرقل دوران حركيتها التجارية لشهور أو سنوات بالباطل.
ومعلوم أن وسائل الإعلام قد تحدثت قبل شهور عن تخصيص الدولة لمبلغ 350 مليار سنتيم لمحاربة الرشوة، وهو ما لم يتطرق إليه السيد رئيس الحكومة ..
على كل حال؛ لا يوجد مواطن في أي دولة في العالم لا يتمنى لحكومته النجاح والتوفيق في مهامها ومسؤولياتها؛ لأن ذلك النجاح لابد أن يعود عليه بالنفع أولا وأخيرا.. ومن هذا الجانب فإننا نتمنى لحكومتنا كل التوفيق والنجاح في برامجها ومخططاتها.
ولكن في نفس الوقت؛ لا يوجد أي مواطن في العالم يمكن أن يقبل بأن يسدد هو أخطاء الغير، ويؤدي هو من خبزه ودوائه ما نهبه الغير واستفاد منه دون أن يتابَع او يطالَب بإرجاعه. فلا يمكن أن يتقبل الشعب ـ أي شعب في العالم ـ أن يسرق شخص ملاييره، ويطالَب هو بتعويضها. فعندما تعود تلك الأموال المنهوبة، بأحكام قضائية صارمة وعادلة، ثم يتبين أنها لا تكفي لسد الخصاص الحاصل في صناديق الدولة؛ فالشعب مستعد آنذلك للتنازل عن نصف رغيفه اليومي، في إطار تضامني وتراض بكل أريحية وإيثار وطني للمصلحة العامة.
[email protected]




