مغاربة أسبانيا و صكوك الغفران إكراهات التجنيس … هذا ما توعدون

بقلم سعيد عيسى المعزوزي

ذُكر في تاريخ أسبانيا القديم، أنه في حقبة من الحقب قد أصيبت خزينة الدولة بعجز كبير دفع بالكنيسة إلى ابتكار فكرة صكوك الغفران، حيث وضعت لها فكرة فريدة من نوعها مكنت الكنيسة من جمع المؤمنين المستضعفين من أبناء الشعب، ثم قامت بعرض خريطة على جلد بقرة سمتها ب ” رسم الجنة ” أو “حدود الجنة” منتقلة بعدها إلى تحديد بيوت الأنبياء و الرسل و الأساقفة و الملوك المقربون من ملكوت الرب حسب زعمهم ، ثم قاموا بعرض البقع المعروضة للبيع و التي ستكون بجانب هذه الشخصيات المهمة، أي أنها قامت ببيع بقع بالجنة مقابل مبالغ تأخذها الكنيسة و كل يشتري حسب إمكانياته المالية.

لكن المسألة لم تقـف عند هذا الحد، بل قامت الكنيسة بتقديم وثيقة تشهد فيها بأنك أيها المالك لعقار أو بقعة بالجنة، مغفور لك في الدنيا قبل الآخرة حيث أطلق على الوثيقة تسمية صك الغفران، و بما أن المالك يمتلك عقارا بالجنة مسبقا فهذا يسمح له أن يفرح و يمرح و يلعب و يلهو في الدنيا كما يشاء لأنه مغفور له أو مشفوع له مسبقا ، و تعالى الله عما يصفون.

سمع بما يروّج في البلاد أحد نبلاءها النابغين ذكاء و حنكة، مدركا خطورة الأمر و عواقبه، مما عجّل لقيامه بجولة تفقدية عند أعتاب الكنيسة و بين حشود الجماهير، حيث أخد موقعه بين الناس فـتقدم بطلب شراء جهنم بكل مساحاتها و حدودها شمالا و جنوبا شرقا و غربا ثم قام قائلا : أيها السادة ، بما أنكم تملكون حق التصرف في النعيم فلا شك أن الرب وضع بين أيديكم حق التصرف كذلك في جحيمه، فكم يلزمني من المال لأضفر بملكية الجحيم المنسي ؟

تعجب الحضور بمن فيهم أساقفة الكنيسة حيث أدركوا في قرار أنفسهم أنها ” همزة كبيرة ” لا يجب خسارتها، فطلب من السيد المشتري قدرا كبيرا من المال فقبل النبيل على قومه تم طلب من الكنيسة أن تمنحه فرصة الكلام بين الحشود الحاضرة من الناس و المستضعفين فيهم، فأُذن له فقام وخطب فيهم قائلا :

أيها المؤمنون ،

لا حزن بعد اليوم، فلا صراع و لا عدوان بينكم بعد الساعة من أجل الظفر بصك غفران أو قطعة أرض بالجنة تحت ذريعة القرب من يسوع أو بيت السيدة العذراء، و لكني أبشركم بأنني اشتريت النار بما فيها و إنني أزفكم خبر إقراري إقفالها إلى الأبد و سأشمع كل أبوبها إلى الأبد، فلن تعذبوا و لن تحرقوا بل عودوا من حيث أتيتم فلن تنفعكم صكوك غفرانكم لأن النار لم تعد لها وجود بعد اليوم.

كان المشهد حينها بمثابة صفعة أقيضت جمع الحاضرين…

لكن التاريخ المعاصر أعاد رسم هذا الحدث لكن بشكل آخر و بصورة مختلفة تماما، فقد تهافت كل المغاربة و باقي المهاجرين الأفارقة حيث حُمل الكل على ذراع الطمع في الاغتراب، فذاق الكل المرّ من حمل نفسه على الهجرة إلى أسبانيا سواء بشكل قانوني أو على ظهر ” باتيرا ” ( زوارق الموت) ، و بعد حصول البعض أو الكل على ” بطاقة الحمّالة ” تصريح الإقامة حتى هرع الكل إلى استرداد قليل من أنفاسه المتهالكة، ثم واجه الكل بعدها بحرا من الإكراهات المتمثلة في أن بطاقة الحمّال و الحمّالة مكتوب خلفها إقامة مؤقـتة، فاستمر الحال مدة تزيد عن 5 سنوات و ما إن انتهت الخمس سنوات العجاف الأولى حتى أتبعتها خمس سمان، حيث اكتمل على إثر هذه السنوات العقد الأول حضورا، و ما إن اكتمل هذا الأخير المنتظر حتى خيم حلم الهروب إلى طلب صك الغفران الأسباني كمخرج لكل مهاجر، حيث أضحى الأمر كقداسة قربان عند محراب مقدس و تحول الحصول على صك غفران إدارة الهجرة ( الجنسية ) كباب من أبواب المصير المجهول و أحد طابوهات التعقيدات الإدارية الصارمة و الملتوية ، و بين ” سير و آجي ” على سُنّة من سبقهم تخلفا إداريا، يطول الانتظار لمدة أربعة سنوات ثم يتلقى ذلك المهاجر المسكين ذلك الجواب المنتظر رفضا أو قبولا للانضمام لنخبة المغفورين لهم عبر قرار سياسي أو سيادي.

و لقد شبهت الجنسية في وقتنا الحاضر هذا بصك الغفران لسبب واحد، ألا و هو أن جل المهاجرين و ضنا منهم أن الحصول على الجنسية هو بمثابة الحصول على صك الغفران السياسي، فأنت و من معك سواء أمام مرآة القانون الأسباني أو المجتمع السائر ستتحرك بقيمة مضافة حسب زعم البعض.

لكن المفاجئة أن أغلب من حصل على الجنسية أو صك المغفرة لسنة 2015 و ما قبلها من سنوات خلت ، يكاد يؤكد أنها أتت في وقت جد متأخر من العمر حيث أن العمر تقدم و العظم استعد للهرم و الفكر تشتت و العزيمة خارت و حلم العودة للبلد الأم تبخر و الأبناء يتأرجحون بين هويتين إن كان لديهم حض في ذلك، و انطلاقا مما يروجه مانحو صكوك الغفران لسنة 2015 مُلمّحين :

” أكفر بذاتك تضفر بملذاتك ” ، و لذلك تجد أغلب المهاجرين يهرولون وراء ملذات الحياة ضاربين بعرض الحائط قيمة الذات والتي تحمل الهوية و الخلفية العربية المغربية الطابع و المزاج، و كلها كا يلغي بلغاه…

ميمونة ، حصلت على الجنسية فتم ترقيتها من عاملة نظافة مراحيض ” ميركادونة ” إلى عاملة نظافة مكتب السيدة المديرة ، قيل لأنها أمية : هنيئا لكي ميمونة.
و أما ابنتها المتعلمة المزدادة بأسبانيا تشاركها العمل في المتجر ذاته كبائعة و للفاهم أن يفهم.

و يطول الحديث و يطول التحليل و للحديث بقية في القضية…


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني