محمود حکمیان*
في العاشر من كانون الأوّل (ديسمبر)، اليوم العالمي لحقوق الإنسان، لم يكن البرلمان الأوروبي مجرّد مسرح لحدث بروتوكولي آخر. ما جرى في بروكسل كان أشبه بمرآة وُضعت أمام وجه أوروبا: هل ما زالت القارة العجوز تؤمن فعلاً بأن حقوق الإنسان قيمة كونية، أم أنّ هذه القيم تتحوّل إلى ورقة تفاوض تُطوى كلما ظهرت أمامها مصلحة نووية أو صفقة تجارية مع طهران؟
من السهل التعامل مع مؤتمرات من هذا النوع كجرعة بلاغة سنوية. نواب، رؤساء حكومات سابقون، خبراء قانون، كلمات صاخبة عن الإعدامات والاعتقالات والتعذيب. لكن ما يجعل ما جرى في بروكسل جديراً بالتوقّف عنده هو أنّه جمع بين ثلاثة عناصر نادراً ما تلتقي في ملف إيران: تشخيص واضح لطبيعة نظام ولاية الفقيه، اعتراف بفشل سياسة الاسترضاء، وتسمية بديل ديمقراطي منظّم تقوده مريم رجوي والمقاومة الإيرانية.
في قلب هذا المشهد، جاءت كلمة رجوي لتعلن، بوضوح غير قابل للتأويل، نهاية أوهام “الإصلاح من الداخل”. النظام الذي يحتاج في عام ٢٠٢٥ إلى هذا القدر من الإعدامات – آلاف الضحايا خلال أشهر، بينهم نساء وقاصرون، ومقابر تُنبش لطمس أثر الجرائم – ليس نظاماً يملك قابلية التحوّل التدريجي نحو الاعتدال، بل سلطة تعلم أنّ بقاءها مرهون بسيف المشنقة وعصا الحرس الثوري. عندما تشير رجوي إلى ١٨ سجيناً سياسياً مهددين بالموت فقط لأنهم دعموا خيار الجمهورية الديمقراطية، فهي لا تستعرض رقماً، بل تضع أوروبا أمام أسماء ووجوه، أمام حياة يمكن إنقاذها أو تركها تُعلّق على حبل التسويات النووية.
أهم ما حملته منبرية بروكسل أنّها كسرت احتكار النظام لرواية “غياب البديل”. لسنوات طويلة، كانت وزارات الخارجية الأوروبية تبرّر تردّدها بأن “الواقع لا يقدّم بديلاً منظّماً”. لكن حين يقف رؤساء حكومات سابقون مثل غاي فيرهوفشتات وماتيو رينزي ليقولوا صراحة إن مريم رجوي والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية يمثّلان خياراً ثالثاً بين استبداد الملالي وحنين الشاه، فهذا يعني أنّ صورة المشهد في العواصم الأوروبية بدأت تتغيّر.
الرسالة الأوضح جاءت في نقد سياسة الاسترضاء. فيرهوفشتات يلخّص حصيلة عقود من المسايرة بكلمة واحدة: الفشل. لا البرنامج النووي أوقف، ولا الإرهاب صدّ، ولا الإعدامات تراجعت. على العكس، كل خطوة إلى الوراء من جانب أوروبا – من إسقاط ملف إرهاب الديبلوماسي الإيراني في بلجيكا إلى تجاهل الاغتيالات ومحاولات الخطف على الأراضي الأوروبية – قرأها النظام في طهران على أنّها ضوء أخضر لمزيد من التوحّش في الداخل.
حين يصف ستيفن راب، المدعي السابق في محاكم جرائم الحرب، ما يجري في إيران بأنّه “إرهاب دولة محسوب” يرقى إلى “جرائم ضدّ الإنسانية”، فهذا ليس ادّعاء معارضة سياسية، بل تشخيص قانوني يفتح الباب نظرياً أمام مبدأ الولاية القضائية العالمية. السؤال هنا: ماذا تفعل أوروبا بهذه الشهادة؟ هل تبقى حبيسة قاعات المؤتمرات والتقارير، أم تتحوّل إلى ملفّات في محاكم وطنية وأوروبية تستدعي المسؤولين المتورّطين، وتجمد أصولهم، وتمنعهم من الإفلات من العقاب وهم يتنقلون بين العواصم؟
من جانبه، يضع كومي نعيدو إصبعه على جرح آخر: أمن المعارضين في أوروبا نفسها. إيران ليست فقط دولة تعدم في الداخل، بل سلطة تمارس القمع العابر للحدود عبر سفاراتها وأجهزتها وشبكاتها. حماية اللاجئين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان داخل التراب الأوروبي ليست منّة، بل اختبار مباشر لسيادة القانون في هذه الدول. حين تُترَك المعارضة الإيرانية هدفاً سهلاً للتهديد والترهيب، فإنّ الرسالة التي تصل إلى السجناء في إيفين وقزل حصار هي أنّ العالم يتفرّج ولا يتدخّل.
في خلفية كل هذا النقاش تقف قضية مجزرة ١٩٨٨، الجرح المفتوح في ضمير إيران. أن تعلن منظمة “العدالة لضحايا مجزرة ١٩٨٨” أنّ أكثر من ٣٠٠ شخصية نسائية بارزة – من رئيسات دول إلى حائزات نوبل – يطالبن بوقف إعدام سجينة سياسية مثل زهرة طبري، يعني أنّ الذاكرة لم تُدفن، وأنّ سلسلة الجرائم ممتدة من الخنادق السرية في الثمانينات إلى ردهات المحاكم اليوم. النظام هو نفسه، وأدواته نفسها، والضحايا هم امتداد لجيلٍ قُتل لأنّه قال “لا” لولاية الفقيه.
ما الذي يبقى بعد بروكسل؟ تبقى الحقيقة البسيطة: أوروبا اليوم في امتحان أخلاقي وسياسي. إمّا أن تتصرّف كقوّة قادرة على ربط مصالحها الاقتصادية والأمنية باحترام حقوق الإنسان، فتغلق باب الاسترضاء وتضع الحرس الثوري ووزارة المخابرات على قوائم الإرهاب، وتربط أي تفاوض بوقف الإعدامات وإطلاق السجناء السياسيين والاعتراف بحق الشعب الإيراني في المقاومة والتغيير؛ أو تستمر في سياسة “إدارة الأزمة” إلى حين الانفجار التالي، في شوارع طهران أو على حدود أوروبا نفسها.
من قاعة البرلمان الأوروبي إلى زنازين طهران، الخيط واحد: أصوات تطلب العدالة في هذا الجانب من القارة، وقلوب تنبض بالأمل في الجانب الآخر من الأسلاك الشائكة. الكرة الآن في ملعب أوروبا، لا في خطاباتها فقط، بل في شجاعة قرارها.
*عضو لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية




