يشكل اعتماد التوقيت الرسمي بإضافة ساعة إلى توقيت غرينيتش في المغرب أحد أكثر القرارات إثارة للنقاش في السنوات الأخيرة، لما له من تأثير مباشر على الحياة اليومية للمواطنين، وخاصة فئة التلاميذ التي تعد الأكثر حساسية لأي تغير في الإيقاع الزمني. فمنذ إقرار هذا النظام بشكل شبه دائم، باستثناء فترة شهر رمضان، وجد المجتمع نفسه أمام واقع زمني جديد لا يتوافق في كثير من الأحيان مع الساعة البيولوجية الطبيعية، وهو ما انعكس بشكل واضح على الصحة العامة وعلى السير العادي للدراسة داخل المؤسسات التعليمية.
إن الإنسان، بطبيعته، يخضع لنظام داخلي دقيق يعرف بالساعة البيولوجية، وهي التي تنظم أوقات النوم والاستيقاظ واليقظة الذهنية. وعندما يتم فرض توقيت رسمي متقدم بساعة عن التوقيت الجغرافي الحقيقي، يحدث نوع من الاختلال في هذا النظام، حيث يُطلب من الجسم أن يستيقظ وينشط في وقت لا يزال فيه مهيأ للراحة. ويزداد هذا الاختلال وضوحًا في بلد كالمغرب، يقع في أقصى غرب المنطقة الزمنية، مما يجعل شروق الشمس متأخرًا مقارنة بالساعة الرسمية، فيجد التلاميذ أنفسهم مضطرين للاستيقاظ والخروج إلى المدارس في ظلام دامس، وهو وضع لا يتناسب مع حاجاتهم البيولوجية ولا النفسية.
هذا الخلل في التوازن الزمني يترتب عنه أولًا اضطراب في النوم، حيث يعاني العديد من التلاميذ من صعوبة في النوم المبكر، مقابل الاستيقاظ الإجباري في وقت مبكر، ما يؤدي إلى نقص في عدد ساعات النوم أو إلى رداءة جودته. ومن المعروف أن النوم الكافي يعد عنصرًا أساسيًا في النمو السليم وفي القدرة على التركيز والاستيعاب، وبالتالي فإن أي خلل فيه ينعكس مباشرة على الأداء الدراسي. كما أن التلاميذ، خاصة في مرحلة المراهقة، يحتاجون إلى عدد ساعات نوم أكبر نسبيًا، وهو ما يجعلهم أكثر عرضة للتأثر السلبي بهذا التغيير الزمني.
ولا يتوقف الأمر عند حدود التعب الجسدي، بل يمتد إلى التأثير النفسي، إذ إن الاستيقاظ المبكر في ظروف غير طبيعية يولد شعورًا بالإجهاد والضغط، وقد يؤدي إلى نوع من النفور من الدراسة أو فقدان الحافز. فالطفل الذي يغادر فراشه على عجل في الظلام، دون أن يحصل على قسط كافٍ من الراحة، يكون أقل استعدادًا نفسيًا للانخراط في التعلم، وأكثر ميلاً إلى التشتت وعدم الانتباه داخل الفصل. وهذا ما يلاحظه العديد من الأساتذة الذين يسجلون انخفاضًا في مستوى التركيز خلال الحصص الصباحية الأولى، حيث يبدو التلاميذ في حالة خمول ذهني واضح.
ومن بين النتائج المباشرة أيضًا لهذا الوضع، إهمال وجبة الفطور، التي تعد من أهم الوجبات اليومية بالنسبة للتلاميذ. فبسبب ضيق الوقت صباحًا، يضطر كثير منهم إلى التوجه إلى المدرسة دون تناول غذاء متوازن، مما يؤثر على طاقتهم وقدرتهم على التفاعل داخل القسم. ويؤدي هذا بدوره إلى ضعف في التحصيل الدراسي، خاصة في المواد التي تتطلب تركيزًا عاليًا منذ بداية اليوم الدراسي.
أما على مستوى المنظومة التعليمية، فإن الساعة الإضافية تخلق نوعًا من الارتباك في تنظيم الزمن المدرسي، حيث تبدأ الحصص في وقت لا يتلاءم مع الجاهزية الذهنية للتلاميذ، مما يقلل من فعاليتها. كما أن الفترة التي يحتاجها التلاميذ للتكيف مع هذا التوقيت الجديد تؤدي إلى ضياع جزء من الزمن التعليمي، خصوصًا في الأسابيع الأولى بعد التغيير. ويضاف إلى ذلك أن التعب والإرهاق المتراكمين ينعكسان على نتائج التلاميذ، حيث يسجل البعض تراجعًا في الأداء والتحصيل مقارنة بفترات العمل بالتوقيت العادي.
ولا يمكن إغفال التأثيرات الاجتماعية لهذا القرار، إذ إن الساعة الإضافية تؤثر على نمط عيش الأسر ككل، حيث تتغير أوقات النوم والاستيقاظ، ويصبح من الصعب التوفيق بين الزمن المدرسي وزمن العمل بالنسبة للآباء، مما يقلل من فرص التواصل العائلي. كما أن المساء يمتد بشكل مصطنع، في حين يظل الصباح مظلمًا، وهو ما يخلق نوعًا من الاختلال في الإحساس الطبيعي بالزمن.
ورغم أن اعتماد هذا التوقيت يُبرر أحيانًا بمبررات اقتصادية، مثل تقليص استهلاك الطاقة أو تسهيل التعامل مع الشركاء الدوليين، فإن هذه المكاسب تظل محل نقاش، خاصة عندما توضع في مقابل التكلفة الصحية والنفسية والتعليمية التي يتحملها المجتمع. فالتلميذ الذي يعاني من قلة النوم وضعف التركيز هو في نهاية المطاف استثمار غير مكتمل في المستقبل، لأن جودة التعليم ترتبط بشكل وثيق بظروف التعلم، وعلى رأسها الحالة الجسدية والنفسية للمتعلم.
إن ما يعيشه التلاميذ في ظل الساعة الإضافية يعكس بوضوح التناقض بين متطلبات الاقتصاد الحديث وخصوصيات الإنسان الطبيعية. فحين يتم تجاهل الإيقاع البيولوجي لصالح اعتبارات خارجية، تكون النتيجة خللًا في التوازن العام يؤثر على الفرد والمجتمع. ولذلك، فإن إعادة التفكير في هذا النظام الزمني، أو على الأقل تكييف الزمن المدرسي بما يراعي حاجات التلاميذ، أصبح أمرًا ضروريًا لضمان بيئة تعليمية صحية ومتوازنة.
وفي الأخير، يمكن القول إن مسألة الساعة الإضافية في المغرب ليست مجرد تعديل في عقارب الساعة، بل هي تغيير عميق في نمط الحياة، تتداخل فيه الأبعاد الصحية والتربوية والاجتماعية. وإذا كان الهدف من أي سياسة عمومية هو خدمة الإنسان، فإن الحفاظ على صحة التلاميذ وضمان جودة تعلمهم ينبغي أن يكون في صدارة الأولويات، لأنهم يمثلون أساس بناء المستقبل.
ذ.مودنان مروان
أستاذ الثانوي التأهيلي.
خبير تربوي.
عضو الاتحاد الدولي للغة العربية.









كفيت ووفيت أستاذي الفاضل