محمد البودالي: كواليس اليوم
يبدو أن رد حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، جوابا على مراسلة من وزارة العدل والحريات بخصوص مشاركة هذا الحزب في الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة، قد جاء مخيبا للآمال، ولم يكن عند حسن ظن الوزير مصطفى الرميد.
وكانت الوزارة بعثت مراسلة إلى الحزب اليساري بقصد الاستماع إلى مقترحاته بخصوص إصلاح منظومة العدالة، إلا أن الرد كان “قاسيا”، وعوض تقديم الاقتراحات، جاء الرد صادما، وقدم تشخيصا غير عاد.
ويرى الحزب أن الحوار لم يسفر عن أي نتيجة، مشيرا إلى أن “مصيره هو نفس الحوارات التي سبقته، ومنذ الاستقلال لغاية تاريخه، والتي أسفرت عن توصيات ظل أغلبها في الرفوف والقليل منها الذي صيغ في نصوص قانونية، لم يجد أغلبه الطريق إلى التنفيذ، أو طبق بكيفية جزئية أو سيئة”.
وكشف الحزب أنه رغم وجود نصوص قانونية تعاقب على المس باستقلال القضاة وباختصاصاتهم والتأثير على ممارساتهم لمهامهم، فإن الصلاحيات المخولة لوزير العدل على مستوى ترقية وتأديب القضاة ونقلهم وانتخاب ممثليهم والمنصوص عليها في النظام الأساسي للقضاة، لا يمكن إلا أن تسهل المس باستقلال القضاء من طرف وزارة العدل التي تعتبر أحد المكونات الأساسية للسلطة التنفيذية.
ومن الناحية الواقعية، يرى الطليعة أن السلطة التنفيذية “كانت ومازالت تتدخل بالتوجيه المباشر وغير المباشر، في اختصاصات القضاء، ماسة بذلك باستقلاله، سواء على مستوى قضاة النيابة العامة أو قضاة التحقيق أو قضاة الحكم”.
وذهب الحزب إلى أن وزارة العدل تتحمل المسؤولية الكبرى في هذا المساس باستقلال القضاء، الذي يتم بكيفية مباشرة، عن طريق النيابة العامة ونقل القضاة لمدة محددة عبر الانتدابات، وبصفة غير مباشرة عن طريق رؤساء المحاكم ومفتشي وزارة العدل.
ومن بين الأمثلة، قدم حزب الطليعة قضية الأستاذ محمد عنبر، رئيس غرفة بمحكمة النقض، ونائب رئيس نادي قضاة المغرب، الذي “دحرج من هذا المنصب العالي بتعيينه للقيام بمهام وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بأبي الجعد، وهو التعيين الذي رفضه المعني فاستبدل بتعيين آخر لا يقل عنه مسا بكرامته وباعتباره، وهو تعيينه كنائب للوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرباط، وذنبه الوحيد هو مساهمته الكبيرة في تأسيس نادي قضاة المغرب”.
إلى ذلك، ذهب الحزب اليساري إلى أن العدالة بمختلف مكوناتها ومساعديها، “كانت ومازالت تعرف فسادا متنوعا (الرشوة – المحسوبية – استغلال النفوذ…) الأمر الذي نتج عنه عدم عدالة العديد من الأحكام والقرارات القضائية بكل تداعياتها السلبية على حقوق الإنسان، وعلى الاستقرار السياسي والاجتماعي، وعلى التنمية الاقتصادية، وعلى جلب الاستثمارات الأجنبية.
ويرى الحزب أن وزارة العدل والحريات المسؤولية الكبرى في ما وصلت إليه وضعية العدالة من “انحلال تخليقي لعدة أسباب، من بينها المس باستقلال القضاء، وضعف الأجور والتعويضات وعدم العدالة في الترقيات وإسناد المسؤوليات، وعدم تطبيق قانون “من أين لك هذا” عن طريق متابعة ثروة القضاة وأزواجهم وأصولهم وفروعهم منذ ولوجهم إلى سلك القضاء إلى تاريخ إنهاء مشوارهم به لأي سبب من الأسباب”.
وعلى مستوى الجودة والإتقان، سجل الحزب، مع بعض الاستثناءات، كون العدالة لا زالت تشكو من ضعف في مستوى الأحكام والأوامر والقرارات القضائية البعيدة عن تطبيق القانون تطبيقا صحيحا، مرجعا أسباب ذلك إلى ضعف في التكوين بالمعهد القضائي، وعدم متابعة التكوين الذي يجب أن يكون مستمرا، عبر الاطلاع الشخصي وعن طريق الندوات التكوينية المستمرة والمنظمة. كما عزاها إلى افتقاد المحاكم إلى المراجع القانونية والفقهية والاجتهادات القضائية، الوطنية والدولية، وانعدام وجود آليات وتقنيات تسهل الوصول إليها، وكثرة الملفات وعدم تناسب هذه الكثرة مع عدد القضاة، الأمر الذي يدفع هؤلاء إلى عدم أخذ الوقت الكافي والضروري للاطلاع على كافة الوثائق والمذكرات ومراجعة كافة النصوص والاجتهادات الفقهية والقضائية.
وبخصوص البطء في إصدار الأحكام، قال الحزب إن العدالة تشكو من البطء في إصدار الأحكام والقرارات القضائية، ابتدائيا واستئنافيا، وذلك راجع، في نظره، إلى عدم تناسب عدد القضايا الرائجة مع عدد القضاة وكتاب الضبط والتجهيزات التي تتوفر عليها المحاكم وكثرة تأخير القضايا بسبب عدم توصل أطراف الدعوى والشهود كلهم أو بعضهم، بالاستدعاءات، إما نتيجة التقصير أو نتيجة المناورات والتلاعبات التي قد يساهم في نسجها بعض أطراف الدعوى وكتاب الضبط والأعوان القضائيين، كما يرجع إلى تقصير بعض رؤساء المحاكم في مراقبة السير الإداري والقضائي لمختلف المصالح التابعة لهم.




