كواليس اليوم : زربـــي مـــراد
لم يثبت أن تجرأ رئيس حكومة أو رئيس وزراء لدول من الدول، التي يعيش مواطنوها في رغد من العيش بفضل قوتها الاقتصادية، على تمرير مشروع قانون جديد إلا بعد جس نبض الشعب، وحتى إن صودق عليه فأحيانا يتم يتراجع عنه أو تعديله إن خلف ردود أفعال شعبية رافضة بقوة.
وفي المغرب وبوجود رئيس حكومة يستبد برأيه ولا يؤمن بالحوار كما يقول خصومه السياسيون وشركاؤه الاجتماعيون، فإنه وفي ظرف قياسي مرر مشاريع قوانين لا قانون واحد، والطامة الكبرى أنها جميعها تزيد من بؤس الطبقات الشعبية، التي حملت حزب المصباح على الأكتاف.
ويبدو أن بنكيران إما أنه رجل متنطع أو غير مدرك لعواقب الأمور، إذ يأتي بما لم يسبقه إليه أسلافه، مستهدفا الطبقات الشعبية بالخصوص، وهي السواد الأعظم من ساكنة المغرب، ويزيد على ذلك بأن يتخذهم سخرية حين يدعي أن المغاربة متشبثون به وهذا من وحي خياله ليس إلا.
إن كان لا بد من قرارات مثيرة للجدل للسيد بنكيران، فقد كان لزاما أن يستهل حملته الإصلاحية كما يحلو له تسميتها، بالضرب بيد من حديد على الفساد أولا، الذي ازداد تعشيشا في أماكن يوجد على رأسها برلمانيو حزبه، وأن يبدأ بوزرائه والفئات الغنية، وحينها سيكون الأمر مقبولا وإن كانت القرارات أقرب إلى غير المعقول من المعقول.
آخر تلك القوانين العجيبة والظالمة للسيد رئيس الحكومة حامي حمى الباطرونا، قانون الإضراب، الحق الدستوري، الذي قدمت في سبيله الطبقة العاملة تضحيات جسام، غير أن بنكيران أبى إلا أن يجردها من سلاحها الوحيد في مواجهة جشع الباطرونا وإصرارها على استعباد فقراء المغرب وهضم حقوقهم المشروعة بعدما نهبت صناديقهم وباتوا مطالبين بتقديم سنوات من أعمارهم وقطرات من دمائهم وجزءا من أرزاقهم لتعويض ما اختلسه من لم يجرؤ بنكيران، المستبد برأيه والمتنطع، على لومهم فبالأحرى تعقبهم.
وفي تناقض غريب، وبينما يصر بنكيران على إذلال الطبقة العاملة بتجريدها من سلاحها ضمانا للصيرورة العادية للعمل، فإنه بالمقابل لم يتفكر في الأسباب الحقيقية وفي معاناتها مع أرباب العمل، وخصوصا شركات المناولة أو ما يصطلح عليه بعبودية العصر الحديث ،والتي تلقى ترحيبا وتشجيعا من لدن الحزب الحاكم، علما أن شركات المناولة تلك لا تلتزم حتى بما نصت عليه مدونة الشغل وفيما يتعلق بحقوق بديهية، فكيف لا يضرب العامل إذا تعلق الأمر بعدم تقاضيه أجرا هزيلا كان الأجدر أن يعطى إليه قبل ن يجف عرقه؟ وهل عامل مثل هذا يفكر أصلا في الإضراب إلا مضطرا لا بطلا؟
قد نتفق مع بنكيران أن ثمة نقابات لها إيديولوجيات ميعت بها العمل النقابي وأضرت بمصالح المواطنين، لكن ذلك إما تضررا من بعض وزرائه المتعنتين الرافضين للحوار أو لأهداف سياسية كما تفعل بعض النقابات الحزبية، وعلى حد علمنا فحزب العدالة والتنمية له ذراع نقابي كذلك اسمه الاتحاد الوطني للشغل.
وحتى نكون موضوعيين، فبنكيران لا يلام لوحده إنما اللوم كذلك على المركزيات النقابية، التي تحرص على مصالح كوادرها الشخصية على حساب الطبقة العاملة المسحوقة.
والأكيد أن الذين يركبون سيارات فارهة ولهم فيلات وما خفي كان أعظم، لن يلبثوا أن يقبلوا بالأمر الواقع وسيمرر قانون الإضراب مع تعديل بسيط يسمح به بنكيران لإنقاذ ماء وجه الزعماء، وحينها تكون الحكومة الحالية قد دقت آخر مسمار في نعش مصداقية النقابات بالمغرب، وهو إنجاز غير مسبوق للحكومة الملتحية، على اعتبار أنه جاء في ظرف ما كان له أن يتحقق لو كان في المغرب نقابات حقا.







