عبد اللطيف مجدوب *
في ظل تنامي الأجهزة الإلكترونية ، وبتواز مع اتساع رقعة الجريمة والإرهاب ، تتجه العديد من الدول الصناعية إلى بذل مساع جادة لرقمنة مدنها ، بما فيها الشوارع والأزقة والدور والميادين والأندية والمراكز والمرافق والمؤسسات .، وهي مساعي ؛ ولو في ظاهرها تحمل بصمات الحماية المدنية والسرعة في التدخلات الأمنية ، إلا أنها ذات أبعاد أشد عمقا ؛ تتلخص أساسا في تيسير مهام الاستهدافات الشخصية والتجسس وضرب طوق الحصار حوله ، مبنى كان أو مركزا معينا ، في محاولة لعزله وبالتالي السيطرة عليه ، في حالات اندلاع ثورات واشتباكات واحتكاكات أمنية ، سواء تعلق الأمر بأفراد أو جماعات وتنظيمات .
وقد أفضت دراسات أمنية مستفيضة إلى أن الألفية الثالثة ستشهد طفرات ثورات وأمنية غير مسبوقة ؛ في ظل انفجار الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخانقة من جهة ، وتصاعد الحاجة إلى الأسلحة الفتاكة ، من جهة والتي سيترتب عنها ؛ في المقام الأول ؛ التمرد المدني وتحدي الأنظمة والقوانين ما سينجم عنه في الأخير ظهور عصابات وتنظيمات وشرائح بشرية بعقيدة تصفوية قتالية ، قد تمتد خطورتها داخل الشرائح الاجتماعية العامة إلى أن تصبح تشكل تهديدا مباشرا للحكومات والأمن المدني ، أو بالأحرى اختراقها لها في محاولة تعطيل نفوذها أو إشراكها في قراراتها ومواقفها !
تجربة الصين الرائدة في رقمنة الحالة المدنية Dijitalization of the civil status ))
خطت الصين خطوات عملاقة في مجالات التكنولوجيا الرقمية Dijital Technology ووظفتها على نطاق واسع ، شملت كل القطاعات المهنية والوظيفية ؛ وتعتبر منافسا شرسا لأمريكا ، حتى إن هذه الأخيرة ؛ وإن كانت تربطها شراكات مع الصين في ميادين إنتاجية عديدة وتبادل الخبرات ، فإنها تتكتم على أسرارها في علوم التكنولوجيا ، مخافة التقليد أو الاستنساخ ، وللتدليل على عمق تجربتها في حقل الرقمنة التكنولوجية Technological Dijitalization ، نسوق فيما يلي مثالين ؛ أحدهما في مجال التربية والتعليم ، والثاني يهم ميدان تنظيم السير واستعمال الطريق ؛
1- كل المدارس الحضرية الصينية ، بالكاد مغطاة بشبكة معلوماتية دقيقة ؛ منبثة على شكل عدسات مراقبة ، داخل ساحات المؤسسات وفصول الدراسة ؛ يشمل بنك معلوماتها ومعطياتها Data إسم التلميذ وانتماؤه الأسري ، والتدرج في مستواه الدراسي لمختلف مواد التعليم ، وفي آن حالته الصحية ؛ تتحيّن على مسار الأيام الدراسية ، حتى إنها ذات مقدرة عالية في ضبط التلميذ ما إن كان يعاني من الأرق أو مشاكل أخرى ، من خلال دراسة حركات أطرافه ونظراته ؛ وتتجاوز مقدرتها الهائلة هذه إلى اقتراح مسارات ووضعيات لتلافي تعثراته الدراسية والنفسية ! قد تستدعي أهله وذويه ، في حرص دائم على ترسيخ وشائج التعاون بين الأسرة والمؤسسة التربوية والمجتمع .
2- في مجال السير واستخدام العربات ، عمدت السلطات الصينية إلى تطوير شبكة إلكترونية رقمية ، غذّت بها كل الطرق والمسارات ، وكذا السيارات ؛ قادرة على ضبط إيقاع السير وسرعة العربات ، والتدخل الحازم في تسجيل مخالفات قانون السير ، وتحرير تقارير آنية بشأنها ، ليتم إشعار أصحابها المعنيين ، كما تتوفر على خصوصيات دقيقة إضافية ، قادرة على ضبط حالة السائق ؛ أثناء السير ؛ ما إن كان مخمورا أو بمزاج غير سوي ، كما أنها مزودة بمدى رقمي بعيد بمقدوره ضبط الشخص ، حتى ولو كان متسكعا ، والولوج إلى بطاقته ، وفي آن تحليل تحركاته .
Google Earth والولوج إلى العناوين
يميز هذه الشركة محرك بحث شهير Google علاوة على برنامج Google Earth الذي لا يخلو منه أي هاتف “ذكي” ، وهو ذات خصوصية كبيرة في الوصول بالمشاهد إلى كل عنوان جغرافي يبحث عنه ، شريطة أن يكون معتمدا لدى الشركة ، إلا أن هناك نسخة حية منه live، تدار بواسطة الأقمار الصناعية غير متاحة للجميع ، وهي مملوكة ؛ في أغلب الأحيان ؛ لدى أطراف وأجهزة مخابراتية عديدة منها بالخصوص CIA ؛ وكالة الاستخبارات المركزية ، أو الموساد II ، والبونتاغون ..، يتم توظيفه ؛ بشكل خاص ؛ في الحملات والاستخبارات العسكرية ، وجدير بالإشارة ؛ في هذا السياق ؛ إلى أن دولة إسرائيل تعتبر رائدة في منتجات أجهزة التجسس الإلكترونية ، وتستعملها على المدى الدولي والقاري ، للتجسس والتنصت على القنوات الفضائية وشبكات الأنترنيت والمكالمات الهاتفية ؛ وقد كشفت “حرب غزة ” ومعالم التدمير واستهداف الأشخاص والمواقع ، أن إسرائيل تمتلك أبناكا رقمناتية ضخمة ؛ تستعملها بلا هوادة ، وأحيانا معززة بشبكة استخباراتية بشرية ، تقتفي أهدافها بدقة لرقمنتها في شكل إحداثيات Coordinations ، وتودع لدى بنك المعطيات Data Bank .
الخيال العلمي قد يغدو واقعا !
تعكف حالياً شركات متخصصة في مجال التكنولوجيا الرقمية على دراسة إمكانيات توظيف رقاقات (Electronic chips ) في حجم حبة عدس ؛ تحتوي على منظومة اتصالات معقدة ، يمكن غرسها في جسم الإنسان ، ليتم الجمع بين الفعل والحركة ؛ تفوق في قدرتها الروبوت Robot . يمكن توظيف هذا “الإنسان” المبرمج في مجال التجسس وعمليات التصفية والسرقة .. والأهداف بعيدة المدى .
الذكاء الاصطناعي “IA ”
يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي Inteligenc Artificial مكونا أساسيا في برامج ومنظومات الرقمنة ، ورافدا من روافده المتشعبة ، يتغذى من التحيينات الممكنة ، ويوجد بنسخ عديدة ، معظمها مبتذل وصار من مكونات الهواتف الذكية Smart phone ، إلا أن معلوماتها جد محدودة بمقارنتها بنسخ دقيقة ومتشعبة ، شبيهة ببرنامج Google earth ، وتستخدم في عمليات التجسس والكشف على المواقع الحربية وإحداثياتها ، وهو الآخر ، موجود بكثافة لدى إسرائيل ، توظفها حالياً في حربها على غزة ، يمكن استفتاؤه حول أشخاص والنفوذ إلى بطاقات هوياتهم ، ومن ثم اقتفاء تحركاتهم ، راجلين كانوا أو راكبين ، من خلال شبكة إحداثيات تتغير من حين لآخر .
وصفوة القول ، يمكن اعتبار رقمنة الجغرافية البشرية مدخلا للاقتراب من الكائن البشري ؛ في الزمان والمكان ؛ في محاولة لاقتفاء أثر أنشطته والوقوف على نواياه ؛ وفي آن ؛ التحكم في مسارات حياته ، فردا أو داخل جماعة ، كما لا يمكن استبعاد ؛ ولو على المدى المتوسط ؛ ظهور إنسان بشري دموي “مبرمج ” قد يصعب تمييزه عن إنسان آلي robot قادر على الطيران والولوج إلى أهداف بعيدة بقصد التجسس أو تنفيذ عمليات قنص أو تدمير ، أو عمليات انتحارية ليلا تتكشف هويته .
* مفتش باحث ومنسق لدى وزارة التربية الوطنية سابقا




