أبطال الديجيتال ونضال الويفي

 

برعلا زكريا

ما يتوهمه المهدوي ومن يسير على دربه من صناع المحتوى العاطفي والشعبوي أن أرقام المشاهدات العالية والتفاعل الافتراضي الزائف يعادل وزنا سياسيا حقيقيا أو قدرة على تحريك الشارع، فتجارة المظلومية والتشكيك المنهجي في عمل المؤسسات قد تدر أرباحا رقمية فورية وتصنع نجومية وهمية لصاحبها لكنها في ميزان الواقع لا تزن جناح بعوضة ولا تحدث أي أثر ملموس في سيرورة الدولة والمجتمع. هذا الخلط بين الضجيج الرقمي والفعل الواقعي يوقع أصحابه في مآزق قانونية وأخلاقية متتالية ليجدوا أنفسهم وحيدين في مواجهة تبعات خطابهم، بينما الجمهور الذي صفق لهم بحرارة خلف الشاشات يكمل حياته بشكل طبيعي دون أي استعداد لتحويل ذلك الإعجاب الإلكتروني إلى خطوة تضامنية واقعية واحدة.

يتعامل المواطن المغربي بذكاء فطري وبرغماتية عالية مع هذا النوع من المحتوى الذي يروج لنظريات المؤامرة أو يضخم من أخطاء بعض المسؤولين ليصورها كانهيار شامل للمنظومة، إذ يستهلك المغربي فيديوهات الحكايات عن الدولة العميقة والفساد المستشري بنفس المنطق الذي يشاهد به فيلما دراميا مشوقا أو يستمع فيه لحلقة نميمة مسلية في مقهى. تنتهي الفرجة بانتهاء الفيديو ليعود الفرد للانخراط في دورة حياته اليومية والتعامل مع الإدارات والمؤسسات التي كان يشاهد ذمها قبل قليل كأن شيئا لم يكن، وهي ازدواجية ليست نفاقا اجتماعيا بقدر ما هي تعبير عن وعي عميق بأن العالم الافتراضي مجرد فضاء للتنفيس والفرجة وليس ساحة للتغيير أو الهدم.

ولعل الدليل القاطع على هذه الهوة السحيقة بين العالم الأزرق والواقع الصلب يظهر جليا عند كل دعوة للاحتجاج أو التظاهر بناء على تلك الخطابات المغرضة، فحين نرى مئات الآلاف من التعليقات الغاضبة والمؤيدة لخطاب النضال المنفوخ وتأتي ساعة الحقيقة نجد الساحات فارغة إلا من قلة قليلة جدا. يؤكد هذا العزوف أن المجتمع المغربي يمتلك مناعة قوية ضد الانسياق وراء الشعارات العدمية ويميل بطبعه نحو الاستقرار والحفاظ على المكتسبات بدل المغامرة في المجهول، فالبنية الاجتماعية والسياسية في المغرب تمتص هذا النوع من الخطابات وتحولها إلى مجرد ظاهرة صوتية عابرة لا تلبث أن تتلاشى مع ظهور ترند جديد.

تبقى مشكلة من يتبنى هذا النهج العدمي كامنة في تصديقه للوهم الذي صنعه بنفسه واعتقاده أن المؤسسات سترتعد من كاميرا هاتفه أو من صراخه المباشر، غير أن الحقيقة التي يغفلها هؤلاء هي أن الدول لا تدار بالانفعالات ولا تسقط بالهاشتاغات وأن المؤسسات تمتلك ذاكرة ونفسا طويلا يتجاوز بكثير العمر الافتراضي لأي مؤثر. فالتورط في قضايا التشهير أو نشر الأخبار الزائفة تحت غطاء النضال لا يمنح صاحبه حصانة بل يجعله عرضة للمساءلة القانونية التي يواجهها منفردا بعد أن ينفض عنه جمهور اللايكات للبحث عن قصة مسلية أخرى، لتثبت الخبرة المغربية المتراكمة مرارا أن التغيير الحقيقي يمر عبر القنوات المؤسساتية والهياكل الرصينة وليس عبر بطولات وهمية تتبخر بمجرد انقطاع الاتصال بالإنترنت.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني