برعلا زكريا
خلال بث فيديو يحمل عنوان الفقيه المدان بالحبس يواصل كشفه للمستور ويتشبث ببراءته على قناة المهدوي مدير نشر بديل توقف الزمن المهني عند الدقيقة الثانية وست وخمسين ثانية بالضبط لتسقط كل مساحات التأويل واحتمالات سوء الفهم أمام توثيق صوتي وصوري لا يقبل الدحض حين نطق حميد المهداوي بالحرف والكلمة وبنبرة تقريرية باردة : “شفنا بعض القصص فقيه لقيناه اغتصب أطفال عادي حتى هو بنادم” !
لم تكن هذه الجملة مجرد زلة لسان عابرة في سياق حوار مرتجل بل كانت إعلانا صريحا وموثقا عن انهيار المنظومة القيمية والأخلاقية لمن يمارس هذا النوع من الثرثرة الرقمية فأن يقرن شخص يحمل صفة مدير نشر جناية هتك عرض القاصرين بلفظة عادي ويتبعها بمبرر بيولوجي حتى هو بنادم فهذا انتقال خطير من خانة الرداءة الإعلامية إلى دائرة التطبيع الجنائي مع البيدوفيليا ونسف كامل لأقدس قواعد الصحافة التي وجدت لتكون سوطا على الجلادين وصوتا للضحايا لا عيادة نفسية تلتمس الأعذار للوحوش البشرية تحت ذريعة الضعف الإنساني.
تكشف هذه السقطة المدوية عن العطب الجوهري في نموذج صحافة المهدوي الهجينة الذي ألغى وظيفة الإعداد والتحرير والرقابة الذاتية لصالح تدفق كلامي فوضوي غير منضبط وهو ما يشكل خطرا داهما على الأمن النفسي للمجتمع فعندما يلتقط الجمهور الناشئ والمراهقون الذين يشكلون وقود هذه المنصات عبارة تصف الاعتداء الجنسي عليهم بأنه سلوك مألوف صادر عن فرد يقدم نفسه في ثوب المناضل والموجه فإننا نكون بصدد تأسيس ثقافة الإفلات من العقاب وشرعنة الفاحشة في الوعي الجمعي ونمنح كل متحرش متربص بالبراءة صك غفران مسبق ومسوغا أخلاقيا لجرائمه بدعوى أنها مجرد هفوات آدمية لا تستوجب الاستهجان فالمهنية تقتضي وجود مصفاة أخلاقية يقظة تمنع خروج مثل هذه الترهات حتى في ذروة الانفعال لكن استرسال المعني بالأمر دون توقف أو تصحيح أو اعتذار فوري يثبت أننا أمام حالة انتحال لصفة إعلامي من طرف شخص لا يدرك خطورة الكلمة ولا وزنها القانوني والمجتمعي.
يبرز أمام هذا السقوط الحر في قاع الانحطاط القيمي التساؤل الحارق والموجه مباشرة إلى تلك الكتيبة من المحامين والنشطاء الحقوقيين الذين اعتادوا إقامة الدنيا وإقحام المنظمات الدولية عند كل متابعة قضائية تمس المعني بالأمر أين اختفت بلاغاتكم النارية اليوم وأين توارت غيرتكم المزعومة على حقوق الطفل والمواثيق الكونية إن صمتكم المطبق أمام نعت التنكيل بالصغار بالطبيعي هو إدانة تاريخية تفضح ازدواجية معايير مخزية وتؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن دفاعكم لم يكن يوما عن المبادئ السامية بل هو تعصب أعمى للقبيلة والمصلحة الضيقة فلو صدرت هذه العبارة عن مسؤول حكومي أو خصم إيديولوجي لنصبت له المحاكم في الساحات ولكنكم اليوم تبتلعون ألسنتكم في تواطؤ مفضوح يجعلكم شركاء في عملية التمييع الممنهج لجرائم العرض.
تفرض المسؤولية التاريخية اليوم القول ببرودة تامة وحزم قاطع إن حميد المهداوي بهذا التوثيق الدامغ الذي يدينه بلسانه قد وقع وثيقة خروجه النهائي واللا رجعة فيه من بلاط صاحبة الجلالة ليحجز مكانه الطبيعي في صفوف البراحين وتجار الكلام الذين يملأون الفراغ بالضجيج المؤذي فمن يمتلك الجرأة أو الوقاحة ليعتبر انتهاك البراءة شأنا عابرا لا يمكن أن يؤتمن على خبر ولا أن يوجه رأيا عاما بل هو ظاهرة صوتية منفلتة يجب أن تتوقف فورا رحمة بالمهنة المذبوحة واحتراما لسيادة القانون وحماية لما تبقى من حصانة أخلاقية لأبناء هذا الوطن.



